مصريون يقاومون في غزة:
رحلة الشهادة الى فلسطين

غزة ـ عماد عيد

مع تصاعد أعمال القتل والحصار التي تمارسها قوات الاحتلال ضد الفلسطينيين في مخيمات الضفة الغربية وقطاع غزة، ونقل كاميرات الصحافة لمشاهد هذه المجازر، كان لا بد للشارع العربي من تحرك يتناسب وحجم معاناة الفلسطينيين، فكانت الجماهير المصرية من أول من تحرك تعبيراً عن غضبها، ولا سيما ان الرصاص الاسرائيلي يصيب بعض المنازل المصرية التي تقع على الجانب الآخر من الحدود المصرية ـ الفلسطينية قبالة مخيم رفح، وهو من أكثر نقاط التماس اشتعالاً، حيث كان الامن المصري يضطر أحياناً لمساعدة الفلسطينيين في انتشال جثة شهيد تطايرت بفعل قذيفة اسرائيلية الى الجانب المصري.

اعتداءات بلا حدود

زاد من غضب المصريين أن رصاص الاحتلال استمر ينهمر على المدارس والمساكن والمتاجر المصرية عبر الحدود في مدينة رفح المصرية الملاصقة لرفح الفلسطينية, الأمر الذي تكرر عدة مرات، وكان من بينها تحطم زجاج المدرسة الثانوية (عباس العقاد) في مدينة رفح المصرية أثناء إطلاق جنود الاحتلال النار على الفلسطينيين، واختراق الرصاص جدران بعض الصفوف.

وسبق أن أدى الرصاص الإسرائيلي المتطاير لاستشهاد جندي مصري وشاب جامعي قبل حوالى شهر وإصابة حوالى تسعة آخرين، كما تهدمت أسقف منازل عدة قريبة من خط الحدود، وتكرر إغلاق التجار المصريين محلاتهم القريبة من بوابة صلاح الدين التي لا تبعد عن الحدود مع رفح الفلسطينية سوى أربعين متراً، بسبب إطلاق الرصاص الإسرائيلي المتطاير في كل مكان.

يُذكر ان مدينة رفح جنوب قطاع غزة قُسمت ضمن اتفاقية كامب ديفيد بين مصر والكيان الاسرائيلي في العام 1981، حيث فصلت الحدود بين منازل الفلسطينيين الذين أصبح جزء منهم مصريين وجزء آخر ضمن السيطرة الاسرائيلية.

 

تلامذة للجهاد

 أعادت الشرطة المصرية في شمال سيناء على مدار أشهر الانتفاضة عشرات التلاميذ بالمرحلة الاعدادية إلى ذويهم عندما كانوا يحاولون دخول الأراضي الفلسطينية لمشاركة أشقائهم في الانتفاضة ضد القوات الإسرائيلية. وظلت قصة الطفل أحمد شعراوي ابن الأعوام الثلاثة عشر نموذجاً لهؤلاء الاطفال، حين تقدم الى الحدود من أسيوط قاطعاً أكثر من ألف كيلومتر ليسأل عن الطريق الى فلسطين، ليعيده الامن المصري بعد أخذ تعهداً من ذويه بعدم عودته، مقدماً بذلك مثالاً على نار الجهاد التي تشتعل في قلوب المصريين.

عدد آخر من المصريين تمكن من الوصول الى رفح ومن ثم العودة الى مصر وذلك في بداية الانتفاضة، عندما تمكن المقاومون الفلسطينيون من السيطرة على مسافة 500 متر من الحدود مدة ثلاثة أشهر فُتحت فيها الحدود مع مصر. وكان بعض المصريين يحضرون نهاراً لرشق الحجارة ويعودون ليلاً الى مصر، الى ان منع الامن المصري ذلك وعادت قوات الاحتلال لتسيطر على الحدود.

مقاتلون

وإذا كانت الشرطة المصرية قد نجحت فعلاً في منع تلامذة المدراس من الوصول الى مخيم رفح عبر الحدود للمشاركة في الانتفاضة، الا ان حالات عدة نجح فيها المصريون بالوصول الى المخيم والالتحاق بصفوف المقاومة الفلسطينية، وتحديداً "لجان المقاومة الشعبية"، حيث يعيش عدد من الشبان بينهم طلبة في الجامعات وآخرون عمال في شقق سكنية استأجرتها المقاومة لهم للمبيت في انتظار أي مهمة جهادية قد توكلها المقاومة لهم ويعبرون فيها عن حبهم لفلسطين، وهم الذين تركوا أهلهم وخاطروا بحياتهم للتسلل الى الداخل والانضمام الى المجاهدين الفلسطينيين".

يقول أحمد الذي رفض إكمال اسمه خوفاً من الامن المصري: "انه حضر مع شقيقه من مدينة الاسكندرية قبل حوالى تسعة أشهر بعد ان فشل مرات عديدة في قطع الحدود، وبعد ان ازدادت مشاهد العنف الاسرائيلي.. فمنذ بداية الانتفاضة كانت قلوبنا تعتصر ألماً ونحن نشاهد محمد الدرة يموت بين يدي والده، وإيمان حجو بين أحضان والدتها، ومشاهد أخرى لم يكن أمامنا للرد عليها سوى القدوم الى فلسطين لدفع أرواحنا لرفع الظلم عن أشقائنا الفلسطينيين".. وهل يعلم أهلك بقدومك الى فلسطين؟ سألنا أحمد وهو في الخامسة والعشرين فأجاب: "بالتأكيد لم نخبرهم بأننا قدمنا الى فلسطين، ولكن قلنا لهم إننا متوجهون للعمل في كندا حتى لا يسألوا عنا، ومن وقت لآخر نرسل لهم رسالة ونحدثهم بالتلفون". وهذا الاحتياط مرده أيضاً الى الالتفاف على ما قد ينتظرهم من تحقيق وملاحقة عندما يعودون الى قراهم ومدنهم في مصر.

مشاركة منظمة

ومع تزايد عدد المصريين الذين يودون المشاركة في أعمال المقاومة العسكرية، فإن قيادة الانتفاضة وضعت شروطاً أولية لاختيار المتطوعين حسب حاجتها. يقول أبو عبير وهو الناطق الاعلامي باسم المقاومة الفلسطينية في رفح: "لقد قمنا بإعادة اثنين من القادمين من مصر للقتال معنا لسببين: الاول أنهما متزوجان، والثاني لأننا نحتاج الى من يقاتل من الجهة الاخرى للحدود لإرباك الاحتلال، وبكل تأكيد فإن عدد المجاهدين الفلسطينيين الباحثين عن الشهادة كبير، لدرجة ان كثيراً من الشباب بدأ يتجه بشكل فردي الى المستوطنات، وهي الاهداف المتوافرة في غزة، لاقتحامها والموت في سبيل لله.. وبعضهم لا يحمل سوى السكين". وأضاف أبو عبير: "سعدنا جداً بهؤلاء الشباب وقدمنا لهم المأوى والسلاح، ولكن المشكلة مرة أخرى ان الاهداف العسكرية في غزة شبه معدومة".

وقد تلقى هؤلاء الشبان التدريبات العسكرية اللازمة التي تؤهلهم للقيام بأي مهمة جهادية.. مع العلم أن المقاومة الفلسطينية لا تحتاج الى عناصر بشرية، انما تتركز حاجتها بالدرجة الاولى الى الاسلحة والذخائر، فوجود مثل هؤلاء الاشخاص الآتين من دولة مجاورة يشكل عنصر دعم معنوياً يشعر معه الفلسطيني بأن هناك من يعيش قضيته وأحلامه كما يعيشها هو، ويشاركه المعاناة والاستعداد للتضحية، وخصوصاً ان هؤلاء تركوا أهلهم وعيالهم وقرروا الانخراط في معركة محرمة "رسمياً"، وهم بذلك يعبرون عن رغبة الكثيرين من العرب والمسلمين التواقين الى دعم الشعب الفلسطيني بكل ما أمكن.. حتى بأرواحهم.