نساء ورجال "يتسلّلون" عبر الحدود:
اختراق حواجز الخوف والتخويف

القاهرة ـ "الانتقاد"

 كانت المطالب في بدايات الانتفاضة الفلسطينية تدور حول قطع العلاقات مع "اسرائيل" ودعم الانتفاضة بكل الوسائل، وإلى حد ما وبشكل جزئي ترددت أصداء هتافات وبيانات تطالب بالمواجهة المسلحة. ولكن في التظاهرات الأخيرة التي عمّت الشارع المصري تقدم مطلب الجهاد وفتح باب التطوع وضرورة المواجهة المسلحة مع العدو الاسرائيلي كل الهتافات ومعظم البيانات وعرائض المنتديات والمؤتمرات، ولذلك لم يكن مستغرباً ان يتداول حتى أطفال المدارس الاعدادية هتاف "واحد اثنين الجيش المصري فين".

 

قرر العديد من المصريين بمبادرات فردية تحويل الشعارات والهتافات الى وقائع عملية، محاولين تجاوز كل المعوّقات التي يمكن ان تعترض طريقهم، خصوصاً وهم يعرفون ان منطقة الحدود المصرية ـ الفلسطينية تشهد اجراءات أمنية مشددة، ومراقبة مستمرة من الجانب الاسرائيلي لمنع أي عملية تسلل الى الداخل الفلسطيني، تتضمن انتقال اشخاص او تهريب سلاح وذخائر.. ومع ذلك ومنذ بدء الحصار الإسرائيلي، حصلت محاولات عديدة من جانب المصريين للتوغل الى قطاع غزة لمؤازرة الشعب الفلسطيني في انتفاضته. وفي نهاية الأسبوع الماضي أوقف أربعة مصريين كانوا في طريقهم الى رفح المصرية للدخول الى غزة عند حاجز أمني بمنطقة السلام في الشيخ زويد قبل الوصول الى رفح، وهم: عماد سعد رزق عطية (19 عاماً) من عزبة الأوقاف في دمنهور، سيد محمد علي سويلم (21 عاماً) من حدائق القبة في القاهرة، محيي عبد السلام  (29 عاماً) من أوسيم في الجيزة، ومحمد السيد رضوان عبد المنعم (30 عاماً) من الزاوية الحمراء في القاهرة. وقد أخلي سبيلهم بعد التحقيق معهم، حيث أكدوا جميعاً أنهم كانوا في طريقهم الى رفح الفلسطينية للجهاد مع الفلسطينيين، لكنهم لم يكونوا يحملون أي أسلحة.

والبارز في هذه الظاهرة ان الامر لم يقتصر على الذكور، بل شمل عدداً من النساء، حيث اعتقلت السلطات المصرية في معبر طابا فتاة مصرية حاولت التوغل عبر المعبر الذي يفصل بين طابا المصرية ومدينة إيلات "الإسرائيلية". وكشف مصدر أمنى مسؤول بمحافظة شمال سيناء عن عملية تسلل مماثلة بطلتها "جميلة بشاري أحمد محمدين" (35 عاماً) من منطقة "الصالحية الجديدة" التابعة لمحافظة الإسماعيلية شرقي البلاد، التي اتفقت مع تاجر يُدعى "فايز" على مساعدتها في التسلل إلى قطاع غزة نظير مبلغ من المال، إلا أن التاجر قام بإبلاغ الأجهزة الأمنية عنها، حيث أُلقي القبض عليها. وقد سُلمت السيدة المصرية إلى والدها بعد احتجازها مدة ثلاثة أيام. وأكدت أنها قامت بهذا العمل لمؤازرة الشعب الفلسطيني، حيث استفزتها مشاهد الاعتداءات اليومية على الفلسطينيين التي تذاع يومياً على شاشات التلفزيون. وسابقاً سُجلت حالات عن قيام تلامذة مدارس صغار في العمر بالهرب من منازلهم والتوجه الى منطقة الحدود للانضمام الى الانتفاضة. وتحظى مثل هذه المحاولات بتعاطف كبير من الشعب المصري، تجسد في تشييع الشهيد ميلاد محمد الذي قضى برصاص جيش العدو (الثلاثاء 16 نيسان/أبريل)، عندما حاول التسلل عبر بوابة صلاح الدين القريبة من معبر رفح. وعلى الرغم من الحصار الأمني والاعلامي وخروج جنازته في السادسة صباحاً، فإن القرية بأكملها والقرى المحيطة بها تجمعت كلها، وخرجت النساء بأغصان الشجر والزروع تطلق الزغاريد في وداعه.

تنامي هذه الظاهرة يأتي في ظل تصاعد حالة السخط الشعبية عموماً على الاداء الرسمي تجاه الانتفاضة وما يتعرض له الفلسطينيون من مجازر لم تحرك المجتمع الدولي، وهي تشكل تحولاً في فعاليات التضامن وتظاهرات الغضب التي اندلعت في محافظات مصر، والتي أظهرت بعض المؤشرات والدلالات المهمة التي أفرزتها تلك المشاعر المتأججة، وكوّنت بمجملها بيئة مؤاتية لاحتضان مثل هذه التوجهات نحو العمل العسكري، الذي تعزز بكسر حاجز الخوف لدى المتظاهرين من خلال مستوى العنف الذي حصل في مواجهة التظاهرات، وخاصة بعد أسبوعها الثاني وفي الاسكندرية على وجه الدقة، حيث استُشهد طالب وفُقئت عيون 6 طلاب وأصيب المئات بقنابل الغاز وغيرها.. الى جانب الاعتقالات. وهذا يشير الى مستوى الخوف الأمني الرسمي من انطلاق التظاهرات في الشوارع وتلاحمها مع الجماهير، ومن ثم عدم القدرة على السيطرة عليها أو وقف التداعيات، خاصة في ظل غضب شعبي عارم لعجز الحكومة عن فعل جذري وحاسم تجاه الإرهاب الصهيوني، ثم اعترافها بعدم القدرة على حماية سيناء لعدم وجود قوات عسكرية وفق اتفاقية كامب ديفيد. وقد حرّك الهاجس الأمني كل إمكانيات العنف لدى السلطة لمواجهة التظاهرات وحصرها او حصارها في أروقة الجامعة.

 على ان البدايات الميدانية لسلوكيات التضامن ـ وإن غير المباشرة ـ تمثلت مع انطلاقة انتفاضة الاقصى بتحطيم محلات "سينسيبري" تعبيراً عن رفض المنتجات الاسرائيلية والمشروعات اليهودية، ثم محاولات اقتحام محلات "ماكدونالدز" رمز المنتجات والمشروعات الأميركية، والآن موضوع المقاطعة الاقتصادية، حيث بدأت الأسر المصرية عبر قوائم يتداولها الطلاب (الجامعة والثانوي والاعدادي)، في الدعوة الى مقاطعة البضائع الأميركية. بل لأول مرة توجّه جمعيات رجال الأعمال مذكرة احتجاج من رؤساء 7 منظمات لديفيد ولش السفير الأميركي في القاهرة على أسلوب تعامل الادارة الأميركية مع الصراع في المنطقة والكيل بمكيالين.

  هذه المؤشرات وغيرها تدل على أن الشارع في مصر ـ كما هو الأمر في الوطن العربي تقريباً ـ يتحرك بعفوية، على ان وضوح الأعداء لديه الآن سيختزل الطرق للمواجهة بعد ان وضعت الجماهير أمام الحائط الأخير. ويبدو أن التصاعد العفوي للمواجهة سوف يفرض قانونه في ما بعد، فيكفي الآن أنه أسقط بالفعل الخيار الاستراتيجي الرسمي أي السلام، وسوف يشق لنفسه الطريق الخاصّ باستراتيجية التحرير.