|
|||
|
طهران ـ أحمد عبد الرحمن ثلاث مسائل ركزت عليها الصحافة الايرانية في تغطيتها لوقائع قمة رؤساء الدول الخمس المطلة على بحر قزوين: (ايران، روسيا، كازاخستان، تركمانستان وآذربيجان)، الاولى التشديد على ضرورة عدم التفريط بمصالح ايران وحقوقها في بحر قزوين، والثانية الاشادة بالرئيس الايراني السيد محمد خاتمي، باعتبار أنه نجح في شرح وتوضيح المواقف والتصورات الايرانية، وفي الوقت نفسه لم يقدم تنازلات في غير محلها، والثالثة ان قمة عشق آباد فشلت، وأن نسبة فشلها كبيرة انطلاقاً من أنها لم تخرج بنتائج إيجابية واضحة على الصعيد العملي.
في الموضوع الأول، المعروف ان هناك اتفاقيتين أُبرمتا في عامي 1921 و1940 بين ايران والاتحاد السوفياتي السابق، حُدد بموجبهما النظام الحقوقي لبحر قزوين من قبل هاتين الدولتين، باعتبار أنهما هما فقط لا غيرهما المعنيتان بذلك. وقد أُطلق على الاتفاقية الاولى اسم "الاتفاقية الفارسية ـ الروسية"، وعلى الثانية "الاتفاقية السوفياتية ـ الايرانية". وطيلة سبعة عقود تقريباً لم تحصل مشكلات حقيقية بين الطرفين، حتى ان قيام الجمهورية الاسلامية لم يؤدِّ الى حصول تبدل في مواقف طهران. ولكن انهيار الاتحاد السوفياتي السابق خلق وضعاً آخر تمثل بظهور ثلاث دول جديدة هي: آذربيجان وكازاخستان وتركمانستان، اضافة الى روسيا وريثة الاتحاد التي اعتبرت ان لها حقاً في موارد البحر وفقاً لمقررات القانون الدولي باعتبارها مشاطئة له. وقد قبلت إيران بالواقع الجديد وتعاطت معه بإيجابية، وبدأت البحث مع الشركاء الاربعة الجدد عن صيغ مقبولة لها ولهم. وبالفعل بادرت الدول الخمس الى عقد مؤتمر لها في العاصمة الكازاخستانية في خريف عام 1991، حيث تعهدت جميعها بالقبول والعمل على المحافظة على مضامين اتفاقيتي عامي 1921 و1940، وفي الوقت ذاته وافقت الدول الثلاث الجديدة على الالتزام بتعهدات الاتحاد السوفياتي. بيد ان عوامل عديدة من بينها تدخلات قوى خارجية مثل الولايات المتحدة الأميركية، وتقاطع المصالح الاقتصادية والامنية للأطراف الخمسة، ساهمت في عدم التوصل الى اتفاق نهائي، برغم تواصل البحث والنقاش طيلة العقد الماضي. وأكثر من ذلك ساهمت تلك العوامل في اتساع الهوّة بين مواقف الاطراف المعنية، بحيث تبلور موقفان مختلفان: الاول يقول بضرورة تقسيم موارد بحر قزوين بالتساوي بين الدول الخمس المشاطئة، تبنته ايران وتركمانستان. أما الموقف الثاني فيقول بضرورة تقسيم موارد البحر على أساس طول ساحل كل طرف، وتبنته روسيا وآذربيجان وكازاخستان، هذا فضلاً عن اختلافات حول أساليب نقل الطاقة وكيفية الاستفادة من قاع البحر وسطحه. هذان الموقفان والاختلافات الاخرى ألقت بظلالها على أجواء قمة عشق آباد الأخيرة، الأمر الذي حال دون التوصل الى نتائج حاسمة، وإرجاء البحث في معظم القضايا الى القمة المقبلة التي اتفق الزعماء الخمسة على عقدها في طهران عام 2003. وفي ما يتعلق بحقيقة الموقف الايراني، فإن خبراء ايرانيين يؤكدون ان الحفاظ على مصالح طهران في بحر قزوين لا يكون إلا من خلال التمسك بجوهر اتفاقيتي عامي 1921 و1940، وعدم الانسياق وراء أطروحات بعض الاطراف التي توجهها قوى معادية لإيران مثل الولايات المتحدة الأميركية و"إسرائيل". ودفاع الرئيس خاتمي عن حقوق الشعب الايراني في بحر الخزر، وتأكيده ان اي اتفاق يجب ان يحظى بموافقة البلدان الخمسة، انعكس لدى الاتجاهات السياسية في الساحة الايرانية ارتياحاً كبيراً للأسلوب الذي طرح من خلاله الرئيس الموقف، من دون ان يتجاوز اياً من الثوابت المتفق عليها. أما مسألة فشل القمة فتراوحت الآراء بين القول إن القمة لم تأتِ بجديد، بل تكرس الخلاف الى حدود ان المشاركين اختتموا قمتهم بعدم إصدار بيان ختامي. فيما قال رأي آخر إن القمة لم تنجح، لكنها لم تفشل فشلاً ذريعاً، انطلاقاً من ان الزعماء الخمسة قرروا تكرار المحاولة ومواصلة المباحثات واللقاءات. فضلاً عن ذلك فإن مراقبين عديدين استبعدوا ان يتحول الخلاف الى مواجهة مسلحة بين الدول المطلة على البحر، بفعل إدراك زعماء هذه الدول مخاطر ذلك، ما يحفّزهم على تسوية المشكلة في المستقبل لمصلحتهم. لكن الاحتمال الأكثر رجحاناً على ضوء المعطيات القائمة، هو أنه من المستبعد التوصل الى حلول مقبولة بالنسبة الى كل الاطراف في المستقبل المنظور. وكذلك من المستبعد ان يتنازل اي طرف عما هو أساسي ورئيسي من شروطه ومطالبه، هذا بينما تدفع قوى خارجية على رأسها الولايات المتحدة وفقاً لتصريحات الناطق باسم الخارجية الايرانية حميد رضا آصفي، بالأمور الى حافّات خطيرة لعلها تحصل على موطئ قدم لها، وتحرز مكاسب وامتيازات في واحدة من أغنى مناطق العالم بالطاقة. |