|
|||
|
التقدم الذي حققه اليمين المتطرف في الانتخابات الرئاسية الفرنسية ليس ظاهرة خاصة بفرنسا وحدها، إنه سمة عامة لتحول تشهده بنسب متفاوتة، جميع بلدان أوروبا الغربية. وهو يعكس في ظل فشل اليمين واليسار والتقليديين، قلق الأوروبيين إزاء تراجع أوضاعهم الاقتصادية والأمنية، وكذلك إزاء تهميش بلدانهم من جراء حركة العولمة الأميركية، أو تذويبها في إطار اتحاد أوروبي لا يزال الرهان على نجاحه المستقبلي محفوفاً بالكثير من المخاطر. خطاب جارح هنالك بين المراقبين من يبدي اغتباطاً واضحاً بالطابع "المنفّر" لبعض جوانب الخطاب السياسي عند جان ماري لوبن، زعيم الجبهة الوطنية الفرنسية، حيث انه لا يتردد في القول مثلاً إن "المحرقة لم تكن غير تفصيل من تفاصيل الحرب العالمية الثانية"، أو إن "الروائح الكريهة تفوح من الأحياء التي يسكنها المهاجرون الأجانب في فرنسا".. فذلك الخطاب كان يمكنه ـ بنظر أولئك المراقبين ـ أن يكون أكثر جاذبية بكثير لو أنه جاء خالياً من العبارات الجارحة وصدر عن شخص أكثر اتزاناً وحنكة من جان ماري لوبن. أما ما يفسر جاذبية الخطاب اليميني المتطرف فهو ملامسته الأكيدة مشاعر الجمهور وهواجسه تجاه العديد من المشكلات التي عجز اليمين التقليدي واليسار بشكل خاص ـ ومن هنا جاءت هزيمة الاشتراكيين والشيوعيين ـ عن معالجتها بطريقة ناجعة. وعلى كل حال، فإن الاغتباط المذكور لا يخرج عن كونه تعبيراً عن الأسس، لأن لوبن قد شذب خطابه في الفترة الأخيرة وتمكن من تحقيق المفاجأة في إبعاد المرشح الاشتراكي ليونيل جوسبان في الجولة الأولى من الانتخابات، ما أهّله للتنافس مع مرشح التجمع من أجل الجمهورية جاك شيراك على منصب الرئاسة في الجولة الثانية في الخامس من أيار/ مايو الجاري. ظاهرة شاملة وإذا كان من غير المنتظر أن يحقق لوبن مفاجأة جديدة في تلك الجولة، فإن ذلك لا يبعد شبح دخول فرنسا المحتمل بعد الانتخابات التشريعية التي ستجري في حزيران/يونيو المقبل، إلى جوقة البلدان الأوروبية التي باتت عاجزة عن حكم نفسها من دون مشاركة اليمين المتطرف في أجواء يبدو أن تقاسم السلطة فيها سيكون مقتصراً من الآن فصاعداً على فصائل اليمين، وربما أيضاً على بعض فصائل اليسار المتطرف، بعد انتكاس اليسار التقليدي في الوسطية. وتأتي النمسا في طليعة هذه البلدان، حيث تمكن حزب الحرية القومي بزعامة سوزان ريس ـ باسير من المشاركة في الحكم بشخص وجهه البارز يورغ هايدر بعد فوزه بأصوات 26,91 في المئة من الناخبين في الانتخابات التشريعية للعام 1996. وقد أحدث انتخاب هايدر ومشاركته في الحكومة الفيدرالية وسيطرة حزبه على الحكم في العديد من المقاطعات النمساوية، ردود فعل شاجبة في أكثر بلدان أوروبا التي لم تلبث أن شهدت بدورها تطورات مماثلة. ففي الدانمارك تمكن حزب الشعب الدانماركي بقيادة سيدته الحديدية كيرسفارد، من المشاركة في الائتلاف الحاكم بعد فوزه في تشرين الثاني/نوفمبر 2001 باثني عشر في المئة من أصوات الناخبين، وتحوله إلى أقوى ثالث حزب في البلاد. وقد فرض حزب الشعب سياسة متشددة في مجالي الهجرة والأمن انطلاقاً من موقفه من المهاجرين الأجانب، حيث وصفتهم كيرسفارد بأنهم أكبر مشكلة في تاريخ الدانمارك. وفي إيطاليا فرضت رابطة الشمال بقيادة أمبرتو روسي نفسها شريكاً إجبارياً في حكومة سيلفيو برلسكوني، حيث يتولى روسي منصب وزير الإصلاح الإداري. وإذا كانت الرابطة قد تخلت لأغراض الحكم عن مطلب انفصال شمال إيطاليا الغني عن جنوبها الفقير، فإنها لا تزال تتبنى سياسة صريحة في إعلان العداء للحركات النقابية ولعضوية إيطاليا في الاتحاد الأوروبي. وإضافة إلى رابطة الشمال شهدت ايطاليا تقدماً للتحالف الوطني اليميني بزعامة جيانفرانكو فسيني الذي نال 12 في المئة من الأصوات في أوائل العام الحالي، والذي يعتبر المرشح الطبيعي لخلافة برلسكوني في قيادة اليمين، وبالتالي الوصول إلى قمة الحكم في ايطاليا. وبرغم موافقة التحالف على سياسة ايطاليا الاوروبية ومشاركة رئيسه في اللجنة المكلفة بأعمال توسيع الاتحاد الاوروبي، فإن الشكوك تحيط بقياداته التي ترعرعت في أحضان الحركة الاجتماعية الايطالية ذات الميول الفاشية. أما البلدان الاوروبية المرشحة لأن تشهد الحركات والأحزاب اليمينية المتطرفة فيها صعوداً نحو السلطة، فتأتي في مقدمتها هولندا، حيث فازت لائحة بيم فورتيون زعيم اليمين المتطرف بـ34 في المئة من أصوات المقترعين في الانتخابات البلدية التي جرت في 6 آذار/مارس الماضي في مدينة روتردام، وهو الأمر الذي سيتكرر على ما يبدو في الانتخابات التشريعية التي ستجري على المستوى الوطني في 15 أيار/مايو الجاري. وفي بلجيكا تتشابك المشكلة الاجتماعية والعداء للأجانب مع الطروحات الانفصالية لكتلة الغلامس في مقاطعة الفلاندر، فقد فاز زعيم الكتلة إيف بوسي بـ33 في المئة من الأصوات في الانتخابات البلدية في مدينة آنفير عام 2000، وبـ15,5 في المئة في الانتخابات التشريعية في كامل مقاطعة الفلاندر عام 1991. ولم تتمكن الكتلة من الوصول إلى الحكم بسبب التحالف الوثيق ضدها من قبل الأحزاب الرئيسية الأربعة في البلاد، غير أن شعار "شعبنا أولاً" الذي يطرحه بوسي يبدو قادراً على تفكيك التحالف المضاد واكتساح منطقة الفلاندر، ما يطرح خطر انهيار الوحدة البلجيكية بانفصال هذه المنطقة عن منطقة الغالون الفرنكوفونية. أما في النروج فإن حزب التقدم الذي يترأسه كارل ايغار هاغن يسيطر على 26 مقعداً في البرلمان، وينفي انتماءه إلى اليمين المتطرف ويعتمد سياسة معادية للمهاجرين. والسياسة نفسها يعتمدها الاتحاد الديمقراطي لقوى الوسط في سويسرا بقيادة يولي مورير الذي فاز بـ22,5% من الأصوات في الانتخابات التشريعية للعام 1999، غير أنه لم يمثل إلا بوزير واحد في الحكومة وفقاً لقانون مطبق منذ العام 1959 ويسعى الاتحاد لإلغائه. ويشهد الاتحاد توسعاً ملحوظاً في الاقليم الألماني من سويسرا، وهو معادٍ لفكرة انضمام سويسرا إلى الاتحاد الأوروبي. أما في ألمانيا فهناك ثلاثة أحزاب يمينية متطرفة أبرزها الحزب الجمهوري الألماني بزعامة فرانز شونهوبر الذي سبق له أن عمل في البوليس السري النازي، ويطالب حالياً باسترداد الأراضي التي اقتُطعت من ألمانيا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية. ولكن الأحزاب المذكورة غير ممثلة في الحكم، وهي تشهد تراجعاً واضحاً لمصلحة حزب رونالد شيل المعادي للأجانب، والذي يشارك في حكم مقاطعة هامبورغ، بعد فوزه بـ19,4 في المئة من الأصوات في الانتخابات المحلية عام 2001. كبش محرقة جديد؟ وأبرز السمات المشتركة بين الحركات والأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا الغربية كونها ـ شأن الجبهة الوطنية في فرنسا ـ تعلن تمسكها باللعبة الديمقراطية وتشدد على ناجعية الشكل الانتخابي في الوصول إلى السلطة، وهي تعتمد في الرهان على ناجعية هذا التوجه على خطابها الشعبوي ـ الوطني الذي يلقى تجاوباً واضحاً من قبل الفئات الفقيرة والوسطى المتضررة من الليبرالية المتوحشة وتداعياتها الاجتماعية المتمثلة بالبطالة وارتفاع الضرائب وتدني القدرة الشرائية عند المستهلكين. كما تستفيد هذه الحركات والاحزاب من تنامي الشعور بانعدام الأمن وشيوع ظواهر الجريمة والجنوح. وهي تلعب في ذلك على وتر المشاعر القومية والدينية، وتحاول تغذيتها من خلال رفض سياسات الهجرة وتنمية مشاعر العداء للأجانب، حيث بات الاعتقاد سائداً في الأوساط الشعبية بأن أوروبا تتعرض لاجتياح حقيقي من قبل عشرات الملايين من الجياع القادمين خصوصاً من العالمين العربي والاسلامي، المسؤولين ـ في نظر اليمين المتطرف ـ ليس فقط عن تفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، بل أيضاً عن تدهور الأوضاع الأمنية. وإذا كان اليمين المتطرف يغض النظر عن ظواهر الجريمة التي تمثلت خلال الأيام القليلة الماضية بمجزرتين على الطريقة الأميركية قام بها يائسون أوروبيون وذهب ضحيتها ثمانية أعضاء في أحد المجالس البلدية الفرنسية وأربعة عشر مدرساً وطالبان في إحدى المدارس الألمانية، فإن التركيز على غياب الأمن في الأحياء التي يسكنها العرب والمسلمون يضفي على المشكلة طابعاً خطراً في ظروف المماهاة التعسفية بين الارهاب والاسلام، وتزداد خطورة الوضع في ظروف الخوف المرضي الذي يعيشه اليمين المتطرف من تهمة العداء للسامية، مع إمكانية الانزلاق ـ خصوصاً في ظروف تداعيات الحدث الفلسطيني على الساحة الأوروبية ـ نحو تحول المهاجرين العرب والمسلمين إلى كبش محرقة يكون عليه أن يدفع ثمن التخبطات الاقتصادية والسياسية التي تعيشها أوروبا في ظل التحولات العالمية المحكومة بتعزيز هيمنة القطبية الأميركية ونوازعها العدوانية والتفردية. د.عقيل الشيخ حسين |