يسار يميني "رغماً عنه"

ماذا يفعل اليسار الفرنسي الذي قرر زعيمه الاشتراكي ليونيل جوسبان ـ بعد طول نضال ـ اعتزال الحياة السياسية.. لكي يواجه العدو الذي أتاه من حيث لا يحتسب، جان ماري لوبن، لشدة اعتقاده الراسخ بأنه كان يخوض معركة ضد عدوه الأكبر جاك شيراك؟ لم يجد ذلك اليسار في ترسانته المعبأة بعقود من التجارب والنضالات "الثورية" غير خيار إجباري واحد وحيد: التصويت للعدو السيىء منعاً لانتصار العدو الأسوأ، ولكن.. على سبيل الوفاء لمبدأ العداء لشيراك، مع التعبير في الوقت نفسه عن استمرارية تلك العداوة وإن بطرائق وأساليب مثيرة للرثاء.

فمنذ فوز لوبن في الجولة الأولى، وجد الاشتراكيون الفرنسيون أنفسهم ومن ورائهم معظم تشكيلات اليسار، في موقع "الحليف رغماً عنه" للعدو اللدود، وفتحوا ما يشبه الاستكتاب لإبداع أساليب انتخابية تعبر عن مدى احساسهم بالفجيعة وهم يصوتون لذلك العدو.. فمن قائل يقول بالدخول إلى غرفة التصويت ـ لشيراك ـ بعد وضع كمامة على الأنف منعاً لتنشق الهواء القاتل، أو بعد ارتداء قفازين منعاً لتلوث الأصابع، أو بإدخال ورقة الاقتراع في الصندوق بعد عركها وتجعيدها تعبيراً عن الاستياء، وما إلى ذلك من الأساليب المسرحية الفارغة.. وكل ذلك لكي يوهموا أنفسهم بأنهم يفعلون شيئاً، ولكي يفهموا شيراك رئيسهم القادم المفترض أنهم ساخطون لكونه رئيسهم ولكونهم مرؤوسيه.

والمذهل في هذه "الحساسية الثورية" التي يبدو أنها تعبير عن الأنفاس الأخيرة التي تلفظها الاشتراكية ـ الديمقراطية المحتقرة، هو عدم الانسجام الجذري مع انعدام الحساسية يوم كان الاشتراكيون أنفسهم يتعايشون في ظل حكومة جوسبان، مع رئاسة شيراك ويطرحون برامج اقتصادية واجتماعية وسياسية لا تختلف عن برامج شيراك إلا كما يختلف الشيء عن نفسه، على حد تعبير المنتقدين الغيورين، ومنهم الاشتراكي المنشق جان بيار شوفنمان.

وما الذي يفسر وجود كل هذه الحساسية هنا وانعدام وجودها هناك؟ كل شيء إلا المبادىء بطبيعة الحال، لأن المبادىء لو كانت موجودة لحالت دون تشابه المواقف والبرامج.. ربما المعركة لم تكن ـ ولا تزال ـ محكومة والحالة تلك بغير "الجماعوية" المفتقرة الى أي أساس مبدئي، فإن الاشتراكيين سيجدون أنفسهم بالتأكيد فيما لو حافظ التاريخ على وجهة سيره الحالية، سائرين رغماً عنهم على سكة لوبن وأمثاله، وما ذلك عنهم ببعيد، حيث ان الكثيرين من قدمائهم وقدماء الشيوعيين قد صوّتوا لجان ماري لوبن منذ الجولة الأولى، وحيث ان تاريخهم كان حافلاً على الدوام بالعثور على أنفسهم في مواقع أقصى اليمين الشوفيني والاستعماري.