هل تكسب الدولة جولة الخلوي في معركة التخصيص؟

 

ربما يجافي المنطق الحديث عن مواجهة بين "الدولة" وشركتي الخلوي إذا استدركنا لنقول إن الجولة هنا ليست بين جبهتين خالصتين هما الدولة في جانب وشركتا الخلوي في جانب آخر، إذ ان الدولة في هذا المقام لا موقف موحداً لها، إنما تتجاذبها آراء متباينة إلى درجة التناقض.

وهذا التناقض يبلغ ذروته في كل شأن من شؤون إدارة الحكم، عند ربط الأفكار المتباينة لدى أركان الدولة بمدى اقتناع هذا الرئيس أو ذاك الوزير بجدوى المنهج الاقتصادي الحكومي، وبدرجة محاكاته ـ أو عدمها ـ سياسة الدولة الخارجية عموماً، لا سيما ما يتصل بالصراع مع العدو الاسرائيلي، وخصوصاً في الظروف الحالية التي تعيشها المنطقة بأسرها. فرئيس الجمهورية ينظر إلى ملف الهاتف الخلوي بعين التريّث، نظراً لكونه أحد أهم مصادر دخل الخزينة، في وقت لا يحتمل مناخ الاستثمار أي خضّة قد تنجم عن فسخ عقد الشركتين قسراً من دون تراضٍ.

وفي المقلب الآخر ينحو رئيس الحكومة إلى حسم الموضوع، باستعمال الاسترداد والتخصيص ناشداً تحقيق هدفين: الأول كسب ثقة الجهات الدولية ـ المسماة "مانحة" ـ بقدرة الحكومة على الوفاء بسلة إجراءات تعهدت سابقاً المضي بها في إطار برنامج زمني محدد، والثاني تحقيق ايراد إضافي من عائدات التخصيص يسهم في تدعيم المالية العامة، ويُطفىء جزءاً ولو يسيراً من المديونية المتفاقمة.

وعلى الرغم من صواب الرأيين جزئياً، فقد أثار استعجال رئيس الحكومة بت ملف الخلوي علامات استفهام في بعد آخر، ولا سيما أن نسبة المساهم في احدى الشركتين كان قد حاز في الآونة الأخيرة الأغلبية الساحقة من أسهمها، بشراء حصة مساهمين آخرين لأسباب تختلف بين صفقة وأخرى.

وسط هذه الشكوك لم يجد رئيس الحكومة بداً من إعلان تمسكه بشفافية المزايدة العالمية المرتقبة لبيع الرخصتين بعد استردادهما، ودعوته إلى التشدد في إجراءاتها وعدم الموافقة على اتفاقات بالتراضي.

ولئن أقر بأن الخلوي يدر على الخزينة الآن 300 مليون دولار في السنة، وهو رقم مرشح للارتفاع إلى 400 مليون العام المقبل، أي بمعدل يناهز 33 مليون دولار في الشهر، فقد صُدم رئيس الحكومة بمقترحات وزير الاتصالات المصمم منذ استلام مهام وزارته على حلّ حبي للمشكلة مع "سيلس" و"ليبانسل".

فقد أدلى الوزير في جلسة مجلس الوزراء الماراتونية الشهيرة الأسبوع الماضي بما رأى رئيس الحكومة فيه استكمالاً لمشروع ما بدأه وزير الاتصالات برؤيته للحل المذكور، وذلك على اعتبار أن اقتراح الوزير سيؤدي على نحو غير مباشر (وربما التفافي) إلى تأميم قطاع الخلوي، بحيث تتولى "أوجيرو" الخاضعة لوصاية وزير الاتصالات، إدارة الشركتين بعد تسديد التعويضات لهما جراء فسخ العقد، وذلك تبعاً لرأي رئيس الحكومة القائل باستحالة تحقيق اقتراح الوزير القاضي بتولي شركة متخصصة (أريكسون) إدارة شركتين بهذا الحجم خلال 60 يوماً فقط.

وبدا أن التشنج الذي هيمن على الجلسة (وإرهاصاته قبل انعقادها بأيام)، قد حصر كل المسؤولين في دائرة الحرج أمام الرأي العام ومجتمع الأعمال، إثر تمسك البعض تمسكاً مطلقاً بحق الدولة في تحصيل المستحق لها في ذمة الشركتين مهما كلف الأمر، من دون الممانعة في دفع تعويضات، وتساهل البعض الآخر مع موقف الشركتين.

 ويأتي هذا التباين مترافقاً مع كون أن الشركتين ترفضان أصلاً تقديم كل المعلومات المتعلقة بحجم أعمالهما الحقيقي، وهو ما يثير الريب بشأن صحة تقرير التعويضات الصادر عن مؤسسة "كي. بي. أم. جي" (KPMG) المتخصصة، وفي كل الأرقام المتداولة في قطاع الخلوي.

ووفقاً للتقرير فإن حد التعويض الأدنى يبلغ 124 مليون دولار لشركة "ليبانسل" و144 مليوناً لشركة "سيليس"، اذا اعتُمد خيار السوق المحررة بكلفة استثمارية عالية، بينما يرتفع التعويض إلى 155 مليوناً و177 مليوناً لكل واحدة على التوالي، إذا كان المعيار سوقاً مقيدة بكلفة استثمارية دنيا.

وقد راعى احتساب التعويض في الحالتين كلفة المخاطر طويلة الأمد على رأس المال، ومخاطر قطاع الخلوي المرتبطة بظروف البلد العامة.. علماً بأن هذا التعويض لم تكن الشركتان لتحصلا عليه لولا إقدام الحكومة على اتخاذ قرار بفسخ العقد معهما، وهذا أمر قابل للنقاش من زوايا مختلفة.

وفي مقابل هذا التعويض ثمة إصرار من قبل الدولة على ربط سداده بإنفاذ قرار سبق أن اتخذته حكومة الرئيس سليم الحص، ويتعلق بسندات تحصيل قيمتها 300 مليون دولار في ذمة كل شركة، بدل ما اعتبرته تلك الحكومة مخالفات وخدمات إضافية قامت بها الشركتان حتى نهاية 1999، وتتخوف الشركتان من نتائج الأخذ باقتراح وزارة الاتصالات تكليف هيئة القضايا مطالبتهما بمستحقات إضافية تحت العنوان نفسه عن العامين 2000 و2001، بما يعني ارتفاع قيمة السندات إلى 500 مليون دولار في ذمة كل واحدة من الشركتين.

على كل حال أبقى مجلس الوزراء ملف الخلوي مفتوحاً من دون حسم بانتظار نتائج تكليفه وزير الاتصالات استيضاح مصرف "دانش. اس. بي. سي" (HSBC) البريطاني، المولج إطلاق المزايدة العمومية لبيع الرخصتين، حول نقطتين عالقتين في ملف التخصيص هما: هل يحق للشركتين بعد فسخ العقد الاستمرار في تشغيل الهاتف الخلوي؟ وهل يحق لهما دخول مناقصة البيع مجدداً؟

وقد أمهل المجلس الوزير فترة 15 يوماً تنتهي في العاشر من أيار/مايو الجاري، على أن يلي ذلك عقد جلسة للمجلس في 13 أيار/مايو قد تمدد إلى 20 أيار/مايو، وتخصص لبتّ مناقشة التقرير نهائياً.

ويبدو جلياً من هذين التساؤلين أنه لدى القيّمين على شركتي الخلوي الآن نية غير قابلة للتشكيك لتحويل تحدي فسخ العقد إلى فرصة ينتهزونها للحصول على تعويض من جهة، والانتقال ـ من جهة أخرى ـ بالعقد من حال "البناء والتشغيل والانتقال"  (BOT) إلى رخصة تُضيّع على الدولة فرصة استرداد الملكية كحق مكتسب، وتضمن لهؤلاء القيمين سيطرة دائمة على سوق الهاتف الخلوي، وجني أرباح حتى الدولة لا يُسمح لها بالاطلاع على كيفية احتسابها.

فهل ستكسب الدولة الجولة مع شركتي الخلوي في طريقها الشاق نحو تخصيص المرافق العامة أو التفرغ عن أسهم تملكها في قطاعات معينة كالخلوي وكازينو لبنان وطيران الشرق الأوسط وشركة "أنتر للاستثمار" وغيرها؟ أم ان شركتي الخلوي ستحافظان على الامتياز الحصري في زمن إلغاء حصرية الامتيازات، مدعومتين من نافذين تتخذان منهم شركاء وهميين في الأرباح لقاء الحماية المستدعية لهما؟