|
|||
|
تُعرف المنطقة الممتدة على مساحة بلديات الغبيري وحارة حريك وبرج البراجنة والمريجة وبعض من النطاق البلدي لمدينة الشويفات والشياح والحدث، بأنها ضاحية بيروت الجنوبية التي سطع نجمها خلال العقود الثلاثة الماضية نتيجة ظروف سياسية وحياتية مميزة. وهي تعاني من اكتظاظٍ بشريٍ وارتفاع نسبة الكثافة السكانية فيها الى معدّلات هي الاعلى في لبنان. منطقة الضاحية الجنوبية تلك تعاني عدداً كبيراً من المشاكل الحضرية، تعود بمجملها الى واقع تشكّلها المديني قبيل الحرب الاهلية وخلالها وعقب انتهائها، في فترةٍ شهد لبنان فيها تداعيات الحرب الاهلية اقتصادياً وعمرانياً . من المشاكل المزمنة في الضاحية الجنوبية لبيروت ازدحام السير في طرقاتها وعلى جادّاتها الرئيسية، ليس بسبب كثافة السيارات وكثرة عدد ساكنيها فقط، بل لأسبابٍ اخرى يحاول هذا التحقيق أن يحددها مع جمعٍ من المعنيين بلدياً وإنمائياً، وهي أسبابٌ تستدعي معالجةً سريعةً تخفف عن أهل المنطقة تلك المعاناة اليومية وتحفّز النشاط الاقتصادي فيها بتسهيل المواصلات اليومية بين جنباتها.
ان الضاحية الجنوبية برغم أعمال البنى التحتية التي تمّت في نطاقها وافتُتحت في اطارها الجادات، كجادة الشهيد هادي نصر الله التي تخترق الضاحية من جهة الغبيري وصولاً الى المريجة، ما زالت تعاني في حياتها اليومية بسبب الاهمال المزمن الذي خيّم طوال عقود على المنطقة, وسمح للبناء العشوائي بالنموّ وأوقف تطوير البنى التحتية, وأعطى لمديرية التنظيم المدني اجازة مفتوحة لأسبابٍ عديدة تداخل فيها السياسي بالطائفي بالاقتصادي بـ... وبسبب "الحرب التي أكلت من تلك البنى التحتية ومن الوضع المديني لمنطقة الضاحية" كما يرى المهندس عدنان سمّور (من جمعية جهاد البناء الانمائية)، الذي يحدد أسباب مشكلة السير بالتالي: أولاً: عدم استكمال وصلات الطرق الرئيسية في الضاحية، ومنها: 1- الوصلة الممتدة من تقاطع حارة حريك ـ برج البراجنة حتى طريق المطار. 2- الوصلة الممتدة من جادة الشهيد هادي نصرالله وصولاً الى طريق المطار عبر الليسيه أميكال ومحطة علامة في حارة حريك. 3- الوصلة الممتدة من تقاطع الكفاءات وصولاً الى حي السلم والشويفات. 4- الوصلة الممتدة من تقاطع الكفاءات وصولاً الى طريق المطار. وهي وصلات تتطلب استملاكاتٍ بقيمة ثلاثين الى أربعين مليون دولار أميركي حسب المهندس سمّور. ثانياً: عدم ايجاد حل لمشكلة السير على تقاطعي المشرفية وساحة الغبيري، حيث تتقاطع الطرق الداخلية مع الطريق الدولية (بيروت ـ دمشق)، وهو ما يجعل من تلك التقاطعات عديمة الكفاءة أمام سيول السيارات المنهمرة من كل حدب وصوب. والمشكلة في هاتين النقطتين يمكن حلّها عبر اقامة جسر او نفق حسب دراسات دقيقة تُجرى. ثالثاً: عدم وجود جسور للمشاة حتى اليوم، (وقد وعدت وزارة الاشغال العامة بجسرين على طريق المطار لخدمة أهالي منطقة الرمل العالي وحارة حريك، وهو ما أكده الحاج أبو سعيد الخنساء رئيس بلدية الغبير). رابعاً: كثرة الفتحات على التقاطعات خصوصاً, كما هي حال جادة الشهيد هادي نصرالله التي تضجّ بفتحات، لم تستطع ان تحقق هدفها لخدمة جانبي الجادة، لكنها تسبّبت بازدحام السير على مدار الساعة . خامساً: افتقاد منطقة الضاحية الجنوبية لمواقف سيارات, حيث الموقف العمومي هو الشارع وجنبات الطرق, ما يؤدي الى افتقاد تلك الطرق طاقتها الاستيعابية. سادساً: عدم وجود أعداد كافية من الشرطة البلدية منتشرة في النطاقات البلدية وعلى الطرق الفرعية . سابعاً: عدم وجود نظام سير داخلي ضمن النطاقات البلدية . ثامناً: الواقع المدني والتربوي للسائقين اللبنانيين الذين يجهلون كثيراً من قواعد السير, ويتغاضون عن أهمية النظام العام . تاسعاً: غياب التنظيم المدني عن واقع المنطقة، وتغاضيه عبر موظفيه عن المخالفات الكثيرة من تجار البناء لقاء خدمات متبادلة . وهي أسباب يضيف اليها المهندس علي الحركة (عضو مجلس بلدية حارة حريك) ضعف سلطة الشرطة البلدية وعدم التشدّد من قِبل السلطات في استيفاء الغرامات البلدية. لا يعدو كلام المهندس سمّور الصواب، بل انه يصيب كبد الحقيقة، وخصوصاً في ما يتعلق بعمل التنظيم المدني الذي لم يستطع ان يقف أمام مسؤولياته بجدارة, ولم يكن من ورائه وازع يردعه عن قبول التجاوزات على الرغم من انهيار عدد من الأبنية التي أجازها التنظيم، فيما تمايل بعضها الآخر وترنّح في اكثرٍ من منطقة لبنانية . من جهته يرى الدكتور قاسم رحّال نائب رئيس بلدية برج البراجنة كما الاستاذ سمّور "ان غياب مؤسسات الدولة مثل التنظيم المدني عن منطقة الضاحية الجنوبية (بغض النظر عن سبب ذلك الغياب)، قد أدّى عدا غياب البلديات الى ازمة السير الواقعة اليوم, خصوصاً اذا أخذنا بالاعتبار نسب البناء الكبيرة التي شهدتها منطقة الضاحية الجنوبية خلال السنوات العشرين الماضية". ويقول: "شوارعنا أصبحت مواقف للسيارات, والسبب ان الابنية التي شُيّدت لم تراعِ قوانين التنظيم المدني والمؤسسات التي أقامت التسويات (مساحات الاستثمار ـ المواقف..) ساهمت في الازمة الحالية.. والبلديات مسؤولة عن الازمة لتلكّئها عن تنفيذ التخطيطات والاستملاكات في الوقت اللازم قبل أن نشهد هذا الانفجار السكاني الذي يضغط علينا اليوم، ويجعلنا عاجزين عن تنفيذ حلول جذرية بسبب التكاليف الضخمة التي تنتظرنا، والتي تفوق قدرات البلديات، وقد تعجز المؤسسات الرسمية..". كذلك يرى المهندس علي الحركة (عضو مجلس بلدية حارة حريك) أنه فضلاً عن الاسباب السابقة، فما يساهم في ازمة السير عدم قيام شرطة السير بمهامها في نطاق الضاحية الجنوبية، ويقول: "لدينا من الشرطة البلدية ما يكفي لتسيير أمور البلدية وليس لنقوم بمهام غيرنا, خصوصاً على التقاطعات في الطرق الرئيسية التي تقع ضمن النطاق البلدي لبلدة الشياح أو المريجة، وخصوصاً عند الحديث عن جادة الشهيد هادي نصرالله.. فالدولة وبلدية الشياح والمريجة تتخلّى عن القيام بواجباتها برغم إجرائنا اتصالات عديدة معها". وقد حدا وضع شرطة السير بالحاج محمد سعيد الخنساء رئيس بلدية الغبيري الى المطالبة بإنشاء مفرزة خاصة للضاحية الجنوبية التي تخلو عادة من تلك العناصر، وهو ما يلحظه المواطن العادي. ويرى الحاج الخنسا غياباً تاماً لشرطة سير بعبدا التي لم تفلح مراجعات البلديات في ساحل المتن الجنوبي في تأمين وجودها على الارض وتغيير واقع السير، برغم أنه ـ ومن عجيب ما نرى ـ طوفان المرافقين والسائقين والحراسات الكثيرة من القوى الامنية على أبواب ذوي الشأن، في وقت لا تجد فيه أزمة السير عدداً من العناصر ـ لا يتجاوز خمسين عنصراً ـ من تلك القوى لحلّ أزمتها ولتلافي بعض نتائجها. وهكذا فلا يمكن الحديث عن حلّ لأزمة السير في ضاحية بيروت الجنوبية قبل تنفيذ التخطيطات والوصلات للطرق الرئيسية في نطاق الضاحية، كما يوضح الدكتور قاسم رحّال نائب رئيس بلدية برج البراجنة الذي يقول إنه " في واقعنا الراهن يمكننا الحديث عن ادارة لأزمة السير، حيث قامت بلديات الغبيري وبرج البراجنة وحارة حريك من خلال لجنة التنسيق بينها، بالاتصال بشركة لبنانية مختصة بشؤون السير من أجل وضع تصوّر ودراسة أوّلية حول كيفية ادارة الأزمة"، ومن دون أن يعني ذلك ترك البلديات حبل السير على غاربه، اذ شكلت البلديات فرقة مشتركة من شرطتها لتنظيم السير على مداخل الضاحية الجنوبية كما يوضح د. رحّال. وبالانتقال الى البحث عن حلول لأزمة السير في منطقة الضاحية الجنوبية، يرى المهندس عدنان سمّور من خلال خبرته ومن خلال الدراسات التي أجرتها مؤسسة جهاد البناء الانمائية التي يعمل في عدادها، أن خطة الحل المقترحة لأزمة السير ترتكز على: 1 ـ استكمال الوصلات التي حُدّدت آنفاً، وإقامة جسور للمشاة. 2 ـ وضع نظام سير داخلي في النطاقات البلدية. 3 ـ إيجاد مواقف عمومية عمودية للسيارات في نطاقات بلديات الضاحية، وهو الامر الذي دعا اليه ممثلو البلديات كافة. وقد شجّع الدكتور قاسم رحال في هذا المجال على"تبني البلديات هذا المشروع، فضلاً عن تقديم التسهيلات اللازمة لأصحاب الاراضي التي يمكن تحويلها الى مواقف للسيارت، باعتبار أن الاستثمار في مجال المواقف استثمار جيّد". 4 ـ تعزيز أعداد الشرطة البلدية فضلاً عن الشرطة الرسمية وقيامها بمهماتها على الطرق الرئيسية. 5 ـ تعديل هندسي في الفتحات الكثيرة الموجودة على الطرق الرئيسية، وإغلاق البعض الآخر في أوقات الذروة كما يرى المهندس علي الحركة. 6 ـ منع اقامة البسطات ووضع الحواجز الإسمنتية والحديدية على جوانب الطرق، واعتبار أصحاب العقارات المحاذية للطرقات أنها ملك شخصي ومواقف لسياراتهم. 7 ـ بث برامج توعية لإرشاد المواطنين الى التعامل الصحيح خلال السير، من خلال المبادئ القانونية المعتمدة . أما رئيس بلدية الغبيري الحاج أبو سعيد الخنساء فيقول: لا مشكلة سير في نطاق بلديته، وإنه وُضع نظام سير داخلي وحُدّدت خطوط السير المزدوجة والافرادية، وأنجز نشر اشارات المرور. ويرى أن حلّ أزمة السير في الضاحية الجنوبية ككل يكون عبر الطرق الدائرية التي تخفّف من أعباء الطرق الداخلية، وذلك في اطار مشروع النقل الحضري.. هذا المشروع لفت اليه أيضاً مجلس الانماء والاعمار في ردّه على أسئلة "الانتقاد"، الأمر الذي لم يعوّل عليه الدكتور قاسم رحّال كثيراً، منحازاً الى "المحافظة على الحياة الاجتماعية والاقتصادية في نطاق منطقة الضاحية الجنوبية مع حلّ لأزمة السير لا يتسبّب بتهجير الاهالي ولا يفقدهم موارد رزقهم، إذ يجب إيجاد حلول واقعية للأزمة". ماذا يقول مجلس الانماء والاعمار بهذا الشأن، وهو المسؤول عن تنفيذ جادة الشهيد هادي نصر الله، وعن تنفيذ وصلات الطرق المتبقية؟ يوضح المجلس على لسان مصدر مسؤول فيه أنه "قد جرى تصميم التقاطعات (الفتحات) بغية تأمين التواصل بين جهتي الجادة"، والمجلس سوف يقوم "بتأهيل الاشارات الضوئية على بولفار الشياح وعلى جادة هادي نصر الله ضمن مشروع يشمل بيروت الكبرى، ومن المتوقع البدء به في أواخر السنة الحالية". فضلاً عن ذلك وفي اطار حلّ أزمة السير في الضاحية الجنوبية، "يقوم المجلس بإعداد الدراسات التفصيلية لجسرين سيشادان على كل من تقاطع المطار والمشرّفية، الأمر الذي سيساهم بالتخفيف من الازدحام الحالي على هذين التقاطعين، ويؤمّن سهولة تنقّل المشاة عليهما، وهذان المشروعان مشمولان ضمن مشروع تطوير النقل الحضري المموّل من البنك الدولي الذي يحضّر المجلس لإطلاقه قريباً". ويكمل المصدر المسؤول في مجلس الانماء والاعمار إيضاحه فيضيف: "ان إنجاز مدخل الحازمية ـ طريق المطار المنفّذ منه قسم تقاطع بولفار كميل شمعون ـ تقاطع شارع حارة حريك، سوف يحلّ بشكل أساسي ازدحام المرور على بولفار الشياح وبولفار جادة هادي حسن نصر الله، ولا سيما الوصلتين الشرقية والغربية من هذا المدخل، أي مستديرة الصياد ـ تقاطع بولفار كميل شمعون (قيد التلزيم)، وتقاطع شارع حارة حريك ـ تقاطع طريق المطار (قيد إعطاء أمر المباشرة بالعمل)، كما قال المصدر المسؤول في مجلس الانماء والاعمار.. لكن أزمة السير في الضاحية الجنوبية لم تحلّ، ولا ترتقب الضاحية في القريب العاجل حلاً.. لطالما نامت الضاحية واستفاقت على الوعود، ولطالما قدّمت ولم تنل!.. الضاحية، ما الضاحية ؟!.. إنه اسم التنكير لها.. هي الغبيري، هي برج البراجنة، هي حارة حريك، هي المريجة.. لكنها صابرة وتحلم بالغد بتفاؤل وحيوية ..
تحقيق: طارق قبلان تصوير: عصام قبيسي |