|
|
|
حسين رحّال تتجاوز ملحمة جنين الجانب العسكري، حيث أذل عشرات المقاتلين جيشاً جراراً يملك أحدث الأسلحة الأميركية، وحشد دبابات وطائرات ومدافع أكثر من عدد المقاتلين المحاصرين. فهذا جانب واحد من الأمثلة التي قدمها مخيم جنين للأمة العربية والإسلامية وللعالم أجمع. لقد غاب في ضجيج المواجهة العسكرية ذلك الموقف الشعبي غير المسبوق عندما رفض الأهالي الخروج من منازلهم والتجمع في إحدى الساحات، فرفضوا مصرين على أن يكون مصيرهم من مصير المجاهدين المحاصرين. إلاّ أن الموقف الأخير كان الأكثر دلالة من جهات عديدة حين أعاد أهالي المخيم المساعدات المقدمة إليهم عندما اكتشفوا أن مصدرها وكالة التنمية الأميركية. كان هذا الموقف من أناس دمرت منازلهم وأتلفت مؤونتهم وباتوا على حافة الجوع في قمة النُبل والعطاء، وقدموا درساً في الوعي السياسي يفتقده الكثيرون من أصحاب القرار أو مدّعي النخبوية. أكد أهالي جنين أنهم يفضلون الموت جوعاً على أخذ مساعدة من عدوهم الأميركي الذي يقف وراء الجزار "الإسرائيلي"، فالمجزرة التي ارتكبت بحق أبنائهم ودورهم وأرضهم تحمل الطابع الأميركي، وأي محالة لتبريء الفاعل عبر الادعاء بأنه إنساني يُساعد المنكوسين هي جزء من إخفاء معالم الجريمة ومرتكبيها. يفوق الوعي السياسي والوطني الذي عبر عنه أهالي جنين، بما لا يُقاس، وعي الكثيرين من أصحاب القمم والقرارات والمطلعين على مجريات الأمور، الذين لم يدركوا حتى الآن، أو لا يريدون أن يدركوا أن مجازر جنين ونابلس ورام الله وغزة وغيرها هي أميركية بالقدر الذي هي "إسرائيلية". لقد أعطى أهل جنين المجردون من ممتلكاتهم المدمرة، درساً في الكرامة والعزة للجميع دون استثناء، وبالتحديد لبعض أصحاب البترودولار الجدد، الذين لم تكن ثرواتهم المتراكمة كافية لسد الجوع إلى التسول من الأميركيين كل شيء، من القرار السياسي إلى الحماية والنفوذ وتثبيت الدعائم واكتساب دور مصنع أكبر من الحجم والإمكانيات المحدودة. يعلم هؤلاء علم اليقين أن الاستجداء في العلاقات الدولية لا معنى له، فبقدر ما تقاتل وتصمد وتفرض توازن قوة وصبراً تستطيع فرض نفسك ووزنك في الساحة الدولية، لهذا فإن أهل جنين أنفسهم يحظون بالاحترام والتقدير المشوبين بالحقد في نظر أعدائهم أكثر بكثير مما يحظى به المتسولون العرب الذين بالتأكيد لن يحصلوا من العالم سوى الاحتقار. وإذا كانت جنين قدمت ما عجزت كثير من الدول عن تقديمه فإن أول الواجبات على العرب والمسلمين والأحرار من كل الشعوب أن يقوموا بأقل ما يمكن وهو حفظ دماء الشهداء وعدم تضييعها في متاهات الصفقات أو المماطلات أو التسويفات الدولية. إن الوصول إلى إدانة المجرم وتسميته وفضحه دولياً ستكون مهمة صعبة لكن ممكنة إذا توافرت الإرادة والمتابعة اللازمة. وفي حال حصولها لن تكون مجرد وفاء لشهداء الصمود والبطولة، بل إدانة لمن اغتصب فلسطين وارتكب المجازر نفسها التي تكررت في العديد من القرى والبلدات الفلسطينية على مدى عقود الصراع وصولاً إلى صبرا وشاتيلا وقانا. ومن هنا محاولة حكومة العدو بكل تكويناتها الشارونية والاليعازرية والبيريزية الخروج من مأزق التحقيق الدولي في المجزرة. على أن مثال جنين ينبغي أن يتحول مدرسة تربي الأجيال في كل العالم العربي صموداً وإباءً وممانعة وعزة نفس، نحن أحوج ما نكون إلى هذا المثال في استعادة حريتنا ووحدتنا وأرضنا. إنها تربية وثقافة ستصنع العجائب والشعارات إذا عممت على مدننا وقرانا وبيوتنا، جنين مدرسة بكل معنى الكلمة. |