مقاومون فلسطينيون بحراسة سجانين دوليين
فك الحصار عن عرفات والانتفاضة تتعهد مواصلة العمليات

 

"الانتقاد" ـ خاص

  شكل الاتفاق بين رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات والجانب الاميركي الذي تمخض عنه تسليم المتهمين بتصفية الوزير الصهيوني المتطرف رحبعام زئيفي بالاضافة الى المسؤول المالي في السلطة الفلسطينية العميد فؤاد الشوبكي والامين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين احمد سعدات لحراس اميركيين وبريطانيين للاشراف على سجن فلسطيني في منطقة اريحا، تطورا بارزا في مسار الاوضاع تبعها فك الحصار عن مقر المقاطعة في رام الله وخروج عرفات للمرة الاولى منه وقيامه بجولة في المدينة. وكان لافتا ان اهالي اريحا استقبلوا المعتقلين بالزغاريد والترحيب كأبطال.

 

 جاءت محاولات بعض مسؤولي السلطة الفلسطينية  للدفاع عن الاتفاق مع الاميركيين لسجن المقاومين الفلسطينيين بحراسة دولية، ضعيفة ومحرجة بالنظر الى الدلالات الخطيرة التي يحملها. وإذ أشار هؤلاء الى الضغوط الشديدة التي مارستها الادارة الاميركية، بالاضافة الى أطراف عربية بارزة تشارك الولايات المتحدة الاشراف على هذا الاتفاق بموازاة الضغوط الميدانية الصهيونية، فإن الرأي العام الفلسطيني بما فيه أوساط حركة فتح، أبدت استياءها مما جرى، وخصوصاً بعدما تبين ان واشنطن عقدت اتفاقاً موازياً مع حكومة شارون يقضي بأن يكون ثمن الافراج عن عرفات عدا عن سجن المقاومين، تصفية اللجنة الدولية للتخفيف من مجزرة جنين بحيث ينجو الكيان الصهيوني من ادانة رسمية دولية تبدو محققة لو باشرت اللجنة عملها.

مخاطر الاتفاق كانت حاضرة في معظم ردود الفعل الفلسطيني وأبرزها موقف الجبهة الشعبية على وجه الخصوص من خلال بياناتها التي رفضت هذه الخطوة وذلك الاتفاق واعتبرته خطيئة، كذلك تعهدت حركة حماس بالاستمرار في تنفيذ العمليات ضد الاحتلال بالرغم من التطورات التي حصلت. ونظمت مسيرات في قطاع غزة للتعبير عن رفض ذلك كله. وقد قوبلت هذه المسيرات ببعض ردود الافعال من قبل بعض عناصر الاجهزة الامنية الذين حاولوا منع النداءات والدعوات لمثل هذه المسيرات في بعض مناطق القطاع، وتعرضوا لعناصر الجبهة الذين قاموا بهذه الاعمال بالتزامن مع عملية نقل المعتقلين مكبلين باستثناء سعدات الذي تعرض للضرب حسب معلومات خاصة بـ"الانتقاد" تسربت من حراس سجن اريحا الذي نقل اليه سعدات والشوبكي مساء الاربعاء بموجب الاتفاق. ولم يقتصر الامر على الجبهة الشعبية بل ان مختلف الفصائل الفلسطينية ساهمت في اظهار المواقف المستنكرة والرافضة للاتفاق واعتقال وتسليم سعدات والمناضلين الذين معه ليذهبوا ضحية مثل هذا الاتفاق. وقد اصدرت لجنة المتابعة العليا للانتفاضة بيانا عبر عن هذا المعنى، ودعت اللجنة الى تنظيم مسيرات ترفض هذا الاجراء وتطالب بالتراجع عنه، كما نظمت مسيرة حاشدة في رفح بمشاركة الفصائل كافة باستثناء حركة فتح.

لكن المثير للاستغراب والدهشة ان كل ذلك يأتي في ظل استمرار قوات الاحتلال الصهيوني في حربها الشاملة ضد الشعب الفلسطيني ومضيها في تنفيذ مخطط الاجتياح للمدن الفلسطينية كما حصل في مدينة الخليل والقرى المجاورة لها عندما شاركت الدبابات والاليات في عملية الاقتحام التي اوقعت احد عشر شهيدا وعشرات الجرحى بالاضافة الى دهم البيوت والمنازل وتفتيشها والاعتداء على المواطنين واعتقالهم واقتيادهم الى اماكن قريبة من المدينة واجراء التحقيق معهم ومن ثم اعتقال بعضهم او الافراج عن البعض الآخر. ولم تحدد اي جهة بعد سواء اكانت فلسطينية او صهيونية العدد الدقيق للمعتقلين ولا الجهات او السجون التي يوجدون فيها. وأتت عملية الاجتياح لمدينة الخليل بحجة العملية النوعية والجريئة التي نفذتها خلية من "كتائب القسام" التابعة لحركة حماس في مستوطنة "ادورا" القريبة من الخليل والتي ادت الى مصرع خمسة مستوطنين واصابة ستة اخرين بعد ان تمكن المجاهدون الذين لم يعرف عددهم من تجاوز كل التحصينات وتنفيذ مهمتهم داخل المستوطنة والانسحاب منها بسلام.

 وخلال عملية مطاردة وتمشيط طالت عددا من الضواحي والقرى والبلدات المجاورة تمكنت قوات الاحتلال من قتل احد المجاهدين تبين بعد ذلك انه احد الذين نفذوا الهجوم الناجح على مستوطنة "ادورا". وعلى الرغم من اعلان الانسحاب من المدينة بعد ايام على اجتياحها الا ان قوات الاحتلال احكمت حصارها على الخليل واحتفظت بنقاط عسكرية في عدد من النقاط والمحاور والمرتفعات التي تشرف على عدة احياء فيها، واعادت اجتياحها امس الخميس، في وقت استمرت فيه قوات العدو في استباحة كل الاراضي الفلسطينية ومواصلة اقتحامها ودهم البيوت واعتقال عدد من المواطنين كما حصل في القرى المحيطة بمدن نابلس وطولكرم والخليل ورام الله وقلقيلية التي اعاد الاحتلال اقتحامها والسيطرة عليها من جديد يوم الاربعاء ايضا، وهي عملية تكررت مع مدينة طولكرم بشكل لافت منذ الاعلان عن اعادة الانتشار حول المدينة، وفي كل مرة كانت قوات الاحتلال تعتقل عددا من المواطنين والقيادات الفلسطينية في اسلوب يكرس السيطرة الصهيونية الامنية على المدن الفلسطينية وعلى المدن التي اعتبرها العدو مجددا مناطق خاضعة للسيطرة الامنية الصهيونية. واستمرت قوات الاحتلال في سيطرتها على مدينة بيت لحم ومحاصرتها لكنيسة المهد بالمدينة وتشديد الخناق على المحاصرين وسط تجميد للمفاوضات الجارية بين الجانبين الفلسطيني والصهيوني لانهاء قضية المحاصرين احتجاجا على رفض العدو ادخال مواد تموينية ودوائية للمحاصرين في الكنيسة، واطلاق النار على من يرصده عبر مناطيد التجسس التي اطلقت في سماء المكان، وهو ما جرى مع القيادي في كتائب شهداء الاقصى ابراهيم عبيات الذي استشهد على الفور برصاص القناصة الصهاينة الذين يعتلون اسطحة المنازل والبنايات المرتفعة في محيط الكنيسة.

 غير ان الوضع في قطاع غزة ليس اقل سوءاً منه في الضفة الغربية فقد استمر تساقط الشهداء خلال هذا الاسبوع بنيران جنود الاحتلال المتمركزين على حواجز الموت المنتشرة على طول الشارع الرابط بين مختلف المحافظات في القطاع مثلما حصل مع احد المواطنين بالقرب من طريق ابو العجين عندما كان متوجها الى بيته دون ان يكون هناك احداث تذكر. وهو ذات الامر الذي حصل مع الرجل المسن ابو سحويل (65 عاما) الذي قضى برصاصة في الحوض اطلقها جندي متحصن بدبابة توغلت في اراضي خانيونس بالقرب من حاجز التفاح عندما كان الرجل على بعد اربعمئة متر من الحاجز بالقرب من بيته. الرصاصة كانت كفيلة بقتله الامر الذي ادى الى اندلاع مواجهات في المكان سقط خلالها شهيد آخر وجريح. على ان الحدث الاخطر الذي شهده القطاع خلال الاسبوع هو المذبحة التي ارتكبها جنود العدو في مخيم رفح ليل الاربعاء الماضي عندما قصفوا منازل المواطنين القريبة بمعبر رفح الحدودي الامر الذي ادى الى تدمير منزلين وقتل اثنين بينهم الطفلة الرضيعة هدى ابو شلتوت التي لم يتجاوز عمرها العام ونصف العام واصابة تسعة اخرين بجراح متفاوتة بينهم الرجل المسن حسين ابو جزر (55 عاما) الذي دخل في حالة موت سريري في اعقاب تفجر رأسه برصاصة من النوع الثقيل. وأعقبت قوات الاحتلال كل ذلك بتوغل في "بلوك ج" في مخيم يبنة القريب من الحدود المصرية ـ الفلسطينية تحت غطاء ناري كثيف ما ادى الى استشهاد اثنين اخرين واصابة اربعة اخرين بجراح وشيعت جثامين الاربعة في مسيرة حاشدة.

وفي تطور غير مسبوق انفجرت عبوة ناسفة امام المجلس الثقافي البريطاني في مدينة غزة الذي لا يبعد سوى عشرات الامتار من مقر الشرطة الفلسطينية وملاصق لمبنى سلطة النقد الرئيسي بالمدينة. وأحدث الانفجار الاول من نوعه والذي كان كبيرا بحسب شهود العيان اضراراً في بوابة المجلس والسور المحيط به. وأعلنت الجبهة الشعبية مسؤوليتها عن التفجير ليتضح بذلك ان الحادث له علاقة مباشرة باعتقال امينها العام احمد سعدات. على ان الاهم من ذلك ان الذي اعلن مسؤولية الجبهة عبر الهاتف عن العملية قال ان هذه العملية هي مقدمة لسلسلة من العمليات التي قد تمس بالاجانب في القطاع، وهو الامر الذي اعتبره العديد من الاوساط تجاوزا لقواعد اللعبة التي بقيت سائدة في القطاع ومؤشرا خطير باتجاه ما قد تحمله الايام المقبلة من تطورات ليس على صعيد العلاقة مع بريطانيا واميركا فحسب، بل على صعيد العلاقة الفلسطينية ـ الفلسطينية، ويخلق تحديا جديدا امام اتفاق السلطة مع الاميركيين والبريطانيين قد يستغله الكيان من اجل مزيد من الضغط على عرفات لتكثيف العمل لردع من يعتبرونهم ارهابيين في قطاع غزة، وبالتالي الإضرار بالساحة الفلسطينية الداخلية.