السجن او النفي او القتل للمحاصرين
بيت لحم: كنيسة المهد في قبضة لصوص الهيكل

 

بيت لحم ـ "الانتقاد"

تراهن قوات الاحتلال على نفاد الطعام والدواء الذي بحوزة المحاصرين في كنيسة المهد في بيت لحم، الذين يربو عددهم على مئتين، لدفعهم الى الاستسلام حفاظاً على أنفسهم من الموت، وبالتالي تقدم على اعتقال من تشاء وإطلاق سراح من تشاء او تقتل من تشاء.. ولذلك ترفض امداد المحاصرين بأي مواد تموينية او دوائية وتبقي على الحصار، بل تشدده وتصعد من حربها المعنوية والنفسية ضدهم، جنباً الى جنب مع عمليات القنص وإطلاق النار بشكل مستمر.. اضافة الى ما يخلفه بقاء جثث الشهداء والجرحى داخل الكنيسة من أوضاع معيشية ونفسية في أوساط المحاصرين ومنهم الاطفال والشبان ورجال الدين.

 

   لم تفلح خمس جولات من المفاوضات في إنهاء الازمة، وبقي العدو يراوغ ويستثمر عامل الزمن ويضغط في الوقت نفسه من أجل إنهائها بأحد حلين: الاول تسليم المحاصرين وتقديم المطلوبين منهم الى المحاكم الصهيونية، والثاني النفي والابعاد لهم خارج فلسطين، وهو ما رفضه الجانب الفلسطيني الذي أعلن بداية ان انهاء الازمة يكون فقط برفع الحصار وإطلاق سراح المحاصرين وعودتهم الى ديارهم. غير ان هذا الموقف طرأ عليه تعديل او تراجع بحل وسط هو قبول الوفد الفلسطيني بل مطالبته بإبعادهم الى قطاع غزة كما حصل مع بعض المعتقلين من مدن الضفة الغربية في وقت سابق، حيث جرى ابعاد المعتقلين الذين يسكنون قطاع غزة ويعملون في الضفة الغربية الى القطاع. لكن العدو يرفض حتى هذه اللحظة هذا الطرح، برغم أن تصريحات صدرت على لسان بعض المسؤولين الصهاينة طالبت بإبعادهم الى غزة في بادئ الامر، وعندما قبل به الفلسطينيون وأصبح مطلباً لهم، تراجع الصهاينة خصوصاً مع تغير الاوضاع على الارض وانتهاء حصار جنين والاتفاق على رفع الحصار عن رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات، وسط شائعات تتحدث عن وجود ربط بين اتفاق رفع الحصار عن عرفات وتسوية الوضع حول كنيسة المهد، بأن يُعتقل المطلوبون منهم في سجون فلسطينية في منطقة أريحا بإشراف حراس أميركيين وبريطانيين، وهو ما رُفض فلسطينياً حتى الآن.

إرهاب ممنهج

 وبانتظار ان تكشف الايام القادمة طبيعة الاتفاق الذي سوف يحصل لتسوية هذه القضية، أبقت قوات الاحتلال على حصارها ومضايقاتها وإطلاق النار بشكل مستمر ليلاً ونهاراً تقريبا باتجاه الكنيسة وكل من يتحرك داخلها. كما أطلقت مناطيد مزودة بكاميرات تصوير وأجهزة تنصت وتجسس في سماء مدينة بيت لحم خصوصاً فوق الكنيسة، وتزوّد الجنود الذين يتمركزون على سطوح البنايات المرتفعة المشرفة عليها بالصور اللازمة لرصد أي جسم متحرك لإطلاق النار عليه فوراً، كما حصل مع ابراهيم عبيات قائد "كتائب شهداء الأقصى"، وذلك لإجبار المحاصرين على البقاء داخل غرفهم او المغارات التابعة للكنيسة تحت الارض، ما يساهم في زيادة الضغط على المحاصرين. لكن ذلك لم يتحقق حتى الآن، فبرغم كل ذلك أبلغنا من داخل الكنيسة ان معنويات كل المحاصرين ما زالت مرتفعة وعالية، وأنهم جميعاً يأبون الاستسلام ويرفضون الحلول الصهيونية، وأنهم ملتزمون فقط بما يُتوصل اليه عن طريق الوفد المفاوض ما لم يتوصل الى حل ينهي الازمة بشكل جيد، وكذبوا الشائعات التي تطلقها قوات الاحتلال حول استعداد ما يقرب من ثلاثين مطلوباً داخل الكنيسة للرحيل وقبول الإبعاد الى دولة عربية، وقالوا ان هذه مجرد شائعات ومحض افتراء. وذكرت وكالة الأنباء الكاثوليكية أنه تُوصل لاتفاق يقضي بطرد المتحصنين في الكنيسة إلى اليونان, إلا أن مصادر إسرائيلية نفت صحة الخبر، وقالت إن عدد المتحصنين الذين تطلب السلطات الإسرائيلية طردهم أو تسليمهم غير محدد وغير معروف بشكل مؤكد حتى الآن. مضيفة: "هناك مطلوبون مثل إبراهيم عبيات الذي نعلم بوجوده في الكنيسة, لكن سنطلب فحص كل الموجودين داخلها، وحينها فقط سنعرف كم هو عدد المطلوبين". وطوال ساعات الليل ينادي جنود الاحتلال عبر مكبرات الصوت محاولين التأثير على المحاصرين بالطلب من كل شخص داخل الكنيسة "غير متورط بأعمال إرهابية"، الخروج منها وسيكون في مأمن. ويستمرون في تكرار مثل هذه النداءات لكن من دون أن يخرج أحد, بعد أن قرر المحاصرون الصمود في وجه قوات الاحتلال المحاصرة للكنيسة. كما أحضر العدو مكبرات صوت في صندوق كبير وضعت برافعة كبيرة يبث منها أصواتاً مزعجة جداً، بينها بث أصوات أفلام إباحية ومنافية للأخلاق يسمعها جميع أهالي بيت لحم، وسط إحراج للأطفال الذين لم يغادروا منازلهم منذ أكثر من أسبوعين.

..وبقي الحصار

وبقيت مدينة بيت لحم بكاملها وكنيسة المهد محاصرة وتعيش تحت احتلال منذ ما يقرب الشهر، ولا يسمح للمواطنين بالخروج من منازلهم إلا في ساعات محددة للتزود بما تيسر من المواد الغذائية، في حين ان مجالات الحياة الاخرى مشلولة ومتوقفة لشعب بأكمله في بيت لحم. وكان فجر الثلاثاء (2/4) هو الموعد لتقدم حوالى مئتين وخمسين دبابة وآلية مدرعة مدعومة بعدة طائرات مقاتلة من طراز  "أف 16" ومروحيات "الأباتشي"، أغارت على جميع مناطق وأحياء مدن بيت لحم وبيت ساحور وبيت جالا، واجتاحتها من جميع المحاور. وما ان وصلت عقارب الساعة الى الرابعة وثلاثين دقيقة من فجر اليوم نفسه حتى كانت القوات الإسرائيلية قد سيطرت على أغلب أحياء تلك المدن، باستثناء وسط مدينة بيت لحم التي تضم مناطق كنيسة المهد والبلدية والبلدة القديمة.

ومنذ ذلك الوقت يؤكد المواطنون ان الحياة بالنسبة اليهم توقفت، ولا يُسمح لسيارات الاسعاف بالتحرك لإنقاذ حياة المصابين او نقل الشهداء إلا في ظروف خاصة وتحت حراسة خاصة. وحتى الصحافيون محجوزون في أحد فنادق المدينة ولا يُسمح لهم بالمغادرة او التعرف الى ما يجري في المدينة كما يجب، حتى ان المواطنين لم يستطيعوا التعرف الى مدينتهم عندما رُفع عنهم حظر التجوال ساعة او ساعتين خلال الايام الماضية.

تدمير كلي

وخلال عملية الاجتياح اقتحمت قوات الاحتلال عدة مبانٍ سكنية وتعليمية وخدماتيه، واستولت عليها بعد قصفها مرات متتالية وحولتها الى ثكنات عسكرية ونقاط حربية تطلق من خلالها مباشرة نيران قذائفها ومدافع الرشاشات الثقيلة والمتوسطة. وقام جنود الاحتلال بحشر القاطنين في تلك المباني من الأسر في زوايا غرف ضيقة، قاطعة عنهم الاتصال بالعالم الخارجي، واحتياجاتهم الإنسانية. وحسب شهود عيان فلا تزال قوات الاحتلال تواصل أعمال التدمير للبنى التحتية والمؤسسات الرسمية والاهلية، وتدمير المكاتب الخاصة والعامة، حتى ان القصف والعدوان الاسرائيلي استهدف في الايام الاخيرة معظم المكاتب الاعلامية ومكاتب المحامين والمهندسين، وجرى الاستيلاء على أجهزة الحاسوب التي بداخلها بعد تدمير محتوياتها. وتجهد قوات العدو لجمع أي معلومات من المناطق التي أعادت احتلالها, وتقوم بدراسة الأقراص الصلبة في أجهزة الحاسوب، لدرجة انهم كانوا يعتقلون صاحب اي حاسوب يجدونه في المكان الذي يداهمونه حتى لو كان منزلاً.

ولتحقيق الهدف نفسه اقتحمت قوات الاحتلال مبنى شركة الاتصالات الفلسطينية في مدينة بيت لحم واستولت على بيانات المشتركين, كما أكد مسؤولون في الشركة، وأخذت تتنصت على المكالمات وتحدد مواقع بعض المطلوبين عن طريق الهواتف الخلوية التي يستخدمها هؤلاء.

اعتقالات ومداهمات

وتشير معلومات مراكز حقوق الانسان الى انه منذ احتلال المحافظة وقراها هناك مداهمة يومية تجاوزت 95% من البيوت، وقامت قوات الاحتلال باعتقال المئات من المواطنين من دون ان تفرق بين طفل وطالب وفتاة وامرأة. مشيرين الى انه بعد التحقيق يفرجون عن العشرات بعد أيام من الضرب والتعذيب. موضحاً انه يوجد حالياً في مدينة بيت لحم وحدها قرابة 150 دبابة تمنع على اي كان التجوال، حتى سيارات الاسعاف قلما تشاهد داخل المدينة، وأهلها لا يتحركون الا ودبابة أمامهم.. وبعد نقل المصاب يوقف الاحتلال السيارة ويبحث عما اذا كان المصاب مطلوباً أم لا، فإذا كان مطلوباً يُعتقل حتى وهو مصاب. ويروي جورج حزبون وهو عضو مجلس بلدي كيف تُوفي والده بسبب عدم وصول سيارة الاسعاف، ويقول: ان والده توفي بعدما لم تستطع سيارة الاسعاف الوصول الى منزله. وقال: عندما عانى أبي من الجلطة لم نستطع استدعاء سيارة اسعاف لنقله الى المستشفى، وتوفي أمام أعيننا ولم نستطع ان نفعل شيئاً. ولم تقتصر الانتهاكات الاسرائيلية الدينية في المدينة المقدسة على حصار الكنائس وقصفها، بل اقتحم جنود الاحتلال مسجد صلاح الدين في شارع الصف في مدينة بيت لحم ومقر جمعية اليتيم قرب المسجد، وعاثوا في المسجد والمقر فساداً وصادروا بعض الأغراض.

 واللافت وفق ما أكد العديد من المصادر، ان الكثير من العملاء الذين كانوا منضوين في ميليشيا العملاء في جنوب لبنان يشاركون في الاعتداءات على بيت لحم، وهم لا يخفون ذلك ويلفظون ـ بلكنة لبنانية واضحة ـ عبارات التهديد والوعيد والانتقام.