زيارة الأمير عبد الله إلى واشنطن
الحوار الأميركي ـ السعودي: الدوافع والموانع

 

دفعت زيارة ولي العهد السعودي الأمير عبد الله بن عبد العزيز إلى الولايات المتحدة، واقع العلاقات السعودية ـ الأميركية نحو قراءة جديدة مرتبطة بمرحلة الحادي العشر من أيلول والهجمات على نيويورك وواشنطن، اضافة إلى رزمة متغيرات طرأت على العلاقات الثنائية، وبدأت ملامحها ترسم الأفق الثنائي منذ تعثّر عملية التسوية بعد مصرع إسحق رابين في خريف العام 1995.

انطلاقاً من ذلك، فإن قراءة هذه الزيارة تتخذ من الركائز الثلاث الآتية أرضية لها وهي:

 

ـ أ ـ التباين في العلاقات الثنائية في عقد التسعينات من القرن الماضي.

 ـ ب ـ ازدياد التباين وصولاً إلى التوتر في مرحلة ما بعد 11 أيلول 2001.

ـ ج ـ مساعي ترميم العلاقات المشتركة بعد مبادرة الأمير عبد الله في آذار الماضي.

في تفصيل ذلك يمكن القول ان مرحلة التباين في العلاقات الأميركية ـ السعودية بدأت إرهاصاتها ترتسم في الأفق بعد التعقيدات التي طرأت على عملية التسوية الاقليمية إثر مصرع إسحق رابين، ففي أواخر العام 1995 شاركت السعودية بقيادة ولي العهد في "مؤتمر الاسكندرية" الذي جمع إلى جانب الامير عبد الله، الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد والرئيس المصري حسني مبارك، وهو المؤتمر الذي انطوى على دلالة تنبىء بالتعقيدات الزاحفة على عملية التسوية، وصولاً إلى انصهارها نتيجة الانحياز الأميركي للعدو الاسرائيلي. وفي مؤتمر شرم الشيخ في آذار من العام 1996، كان التباين السعودي ـ الأميركي حيال مجموعة من القضايا الاقليمية ومن بينها الموقف من "الإرهاب" قد قطع شوطاً بعيداً، وازدادت هذه العلاقات تبايناً ونفوراً بعد انعقاد القمة العربية في القاهرة، التي أعقبت مجيء بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الوزراء الإسرائيلية.

وعلى العموم، يمكن القول إن النصف الثاني من التسعينات شهد ارتفاعاً عالياً في وتيرة توتر العلاقات السعودية ـ الأميركية. ففي العام 1997 قاطعت الرياض المؤتمر الاقتصادي في قطر، وشاركت في مؤتمر القمة الإسلامية في طهران الذي انعقد في أواخر العام نفسه.. وذهبت الرياض إلى تطبيع علاقاتها مع إيران، وراحت مواقفها السلبية تجاه العراق تعرف انخفاضاً. ومع وصول ايهود باراك إلى رئاسة حكومة العدو واستمرار الضغط الأميركي على الأقطار العربية لأجل التطبيع مع تل أبيب، كان الموقف السعودي يزداد سلبية من مواقف الادارة الأميركية. وفي العام 1998 انفضّ الاجتماع الذي عقده الامير عبد الله مع مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك إلى "اشتباك سياسي" جراء الموقف االأميركي من الدولة السعودية. وفي العام 2001 وقبل تفجيرات أيلول، أطلق ولي العهد السعودي تصريحاً ذا مغزى واضح، حين قال إن مخالفة آراء الشعب ستجعلنا مثل شاه إيران، وكل ذلك اختزن عمق الفتور الناشب في حينه في علاقات الرياض ـ واشنطن.

وأما بعد مرحلة الحادي عشر من أيلول، فقد رفضت السعودية إعطاء تسهيلات للقوات الأميركية بغية شن حملة عسكرية على أفغانستان، وطوال الأشهر الفاصلة بين الحادي عشر من أيلول ومبادرة ولي العهد السعودي، كانت المملكة عرضة لهجمات إعلامية متواصلة من الجانب الأميركي، الذي رأى أن النظام التعليمي السعودي ونمط النظام السياسي والتنمية غير المتوازنة ونفوذ مشايخ الوهابية وعمل المنظمات الخيرية الاسلامية، كلها عوامل مهدت الأرضية لرعاية "الإرهاب"، وتفشيه خاصة في السعودية، حيث كان من بين المهاجمين التسعة عشر في 11 أيلول خمسة عشر سعودياً، وهو الأمر الذي يفترض تعاطياً سعودياً قاسياً على مناخ "الارهاب" الداخلي، ويفرض التحقيق مع عشرات ألوف الأشخاص السعوديين، ومثل هذه القائمة من المطالب الأميركية اعتبرتها الرياض مدخلاً لتوتير أوضاع المملكة الداخلية فرفضتها.

حتى تاريخ إطلاق ولي العهد السعودي مبادرته في آذار الماضي راحت تعليقات وتكهنات تشير إلى احتمال حدوث "قطيعة استراتيجية" بين السعودية والولايات المتحدة، فيما بعضها تحدث عن اقتراب خروج القوات الأميركية من السعودية.. وإذ جاءت مبادرة ولي العهد السعودي القائمة على معادلة "السلام مقابل التطبيع"،  فهي انطوت في أبعادها على دعوة الى إطلاق حوار سعودي ـ أميركي، واستطراداً الدعوة الى تحريك الجمود الأبدي حيال عملية التسوية.

وعلى هذا الأساس جاءت زيارة الأمير عبد الله إلى الولايات المتحدة، لتأخذ من عاملي العلاقات الثنائية وعملية التسوية أرضية لها. وإذ استطاعت الزيارة المذكورة ترميم العلاقات الثنائية، وهو الأمر الذي يبدو واضحاً من خلال طائفة من التصريحات المشتركة التي تدل على حرص الجانبين على تجاوز آثار المرحلة الماضية، فيما العامل الثاني أي التسوية، يبقى على حاله من التعقيد القابل لتحاذبات مختلفة الأشكال والمضامين.

وبمختلف الأحوال، فإن هذه الزيارة التي أريد لها التأسيس للمرحلة المقبلة، بحاجة إلى فترة اختبار، فثمة نوع من فقدان جسر الثقة بين الأمير عبد الله والإدارات الأميركية (كلينتون ثم بوش)، لاعتبارات تتعلق بتوجهات عبد الله السياسية، ولذلك فإن الحكم على مدى نجاح هذه الزيارة أو فشلها، أو الانجازات التي خلصت إليها، متروك لمواقف الطرفين من محطات السياسة الإقليمية وتفاصيلها، وهي سياسة حافلة بالمنعطفات التي تبدأ بفلسطين ولا تنتهي عند العراق..

توفيق شومان