|
|
|
ثمة جهد إعلامي وسياسي لتصوير الحصول على موافقة حكومة الكيان الإسرائيلي على فك الحصار عن رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات بـ"الانجاز العظيم جداً"، وذلك في محاولة واضحة لاخفاء معالم العجز الرسمي العربي وقصوره معاً عن تقديم أوجه الدعم المطلوبة فعلاً للشعب الفلسطيني، ولستر ما تضمنته تسوية فك الحصار من تنازلٍ قاسٍ تمثل أولاً بمعاملة مقاومين للاحتلال بوصفهم مجرمين عاديين، وفي هذا رسالة بالغة القسوة والأذية لمجمل حركة المقاومة الفلسطينية، وثانياً بقبول التنازل، ولو في الشكل، عن ممارسة "حق" من حقوق السيادة الذاتية للسلطة الفلسطينية نفسها التي تبيحها لها اتفاقيات أوسلو، وثالثاً القبول الضمني بالشكوك وعلامات الاستفهام الاسرائيلية حول مصداقية عرفات وقدرة السلطة الفلسطينية على انفاذ مقرراتها وأحكامها، وهو ما يشي بحاجة إلى نوع من الوصاية الدولية لإدارة شؤونها. ولم يقف الجهد الآنف عند ذلك الحد، بل جرى ويجري تسويق "التسوية" وفك الحصار في سياق محاولة لإعادة تلميع السياسة الأميركية في المنطقة، ورد الاعتبار، إذا وجد، إلى مصداقيتها، وللإيحاء، بأن في الأفق معالم تغيير حقيقية مقبلة في السياسة الأميركية تجاه المنطقة. ولفرز الخيط الأبيض من الأسود هنا، نرى لزاماً التذكير بجملة من الحقائق القاسية أبرزها التالي: أولاً: ان العنوان الأساسي الحاكم لكل المقاربات الأميركية السياسية وغير السياسية في العالم عموماً، والمنطقة تحديداً، هو ما تسميه الحرب على الإرهاب. وهي في هذه الحرب لم تلحظ اعتباراً أو حساباً لا لصديق ولا لحليف، باستثناء حليفها العضوي الكيان الاسرائيلي. وهذا ما رتب انتقادات قاسية للولايات المتحدة سواء من ذوي القربة الأوروبيين، أو من ذوي الصداقة لبعض الدول العربية التي تحظى بعلاقات خاصة مع واشنطن، فضلاً عن بقية دول العالم. ولا يخفى ما أوجدت هذه الحرب وطريقة إدارة واشنطن لها من قلق وهواجس لدى الكثير من دول العالم، لا سيما لارتكازها على منطق دغمائي صلف بكل ما في الكلمة من معنى. وفي هذا الإطار، فكل التقديرات تجمع على أن عنوان هذه الحرب سيبقى حاكماً للاستراتيجية الأميركية الكونية لمدة طويلة، وبالتالي لا أحد يتوقع إجراء إعادة نظر جذرية في مقوماتها وتوجهاتها الأساسية. ثانياً: لا يختلف اثنان على أن حرب شارون على الشعب الفلسطيني، إنما جرت بغطاء أميركي كامل. وأي عودة للمواقف الأميركية الرسمية من هذه الحرب، ستكشف مدى التطابق بينها وبين المواقف الشارونية، فلقد جرى تسويق هذه الحرب بوصفها جزءاً لا يتجزأ من عقيدة بوش الخاصة بحربه ضد الارهاب. نعم، يمكن القول هنا، ان واشنطن لم تذهب إلى حدود التطابق الكامل على الأقل مرحلياً، مع أهداف حرب شارون، فواشنطن ترى نفسها معنية بتصفية منظمات المقاومة المسلحة الفلسطينية، وإضعاف السلطة الفلسطينية ورئيسها عرفات تمهيداً لفرض نوع من التسوية السياسية، توفر لها المناخ العربي الملائم لتنفيذ مخططاتها الشاملة، إلا أن ما سعى إليه شارون هو تقويض السلطة الفلسطينية كلياً، وشطب عرفات من المعادلة، وإيجاد واقع على الأرض، وأجواء سياسية تجعل أي تسوية سياسية في المدى المنظور غير ممكنة. إلا أن عدم الذهاب هنا لا يمكن ارجاعه بالضرورة إلى قناعة مبدئية واستراتيجية لدى الإدارة الأميركية، بقدر ما يمكن اعتباره استجابة مباشرة للتطورات التي آلت اليها حرب شارون، لا سيما لجهة ما أفرزته من توتر سياسي شامل في المنطقة، وما أوجدته من مناخ شعبي ناقم على السياسة الأميركية، وما عكسته من ردود فعل معترضة ومنتقدة عربية ودولية عموماً وأوروبية تحديداً، ولو من منطلق الخوف على المصالح الخاصة. كما ان المصداقية والهيبة الأميركية أصيبتا بندوب غائرة ليس فقط على الصعيد العربي، وإنما أيضاً على الصعيد الدولي، بفعل التلكؤ الاسرائيلي في الاستجابة لمطالب بوش الداعية شارون لوقف حربه والعمل على الانسحاب من المناطق الفلسطينية التي أعيد احتلالها. بكلام آخر، لقد أكدت جولتا تشيني وباول في المنطقة جملة حقائق لا يمكن القفز فوقها، هي: أ ـ ان هناك تلازماً قوياً قائماً بين القضيتين الفلسطينية والعراقية سواء في وجدان الرأي العام العربي، أو لدى الحكام العرب. وبالتالي، لا يمكن احداث فصل بين هذين المقلبين، بالاتجاه الذي يقود إلى إحراز غطاء عربي رسمي فعلي لضربة أميركية للعراق، ما لم يُحرز تقدم ما في القضية الفلسطينية يتراوح بين إعادة تحريك عملية التسوية كحدٍّ أقصى، أو محاصرتها بإجراءات ومواقف تكفل تبديدها واحتواء مضاعفاتها كحد أدنى. ب ـ ان المشكلة الفلسطينية وبالرغم من كل الجهود التي بذلت لجعلها مشكلة ذات طابع محلي بحت، .....مشكلة وقضية إقليمية، بل ودولية أيضاً بكل ما في الكلمة من معنى، وهذا ما يفرض إعادة نظر في طريقة مقاربتها. ج ـ ان أي تسوية نهائية لا تبدو متيسرة في الأفق، على الأقل في المدى المنظور، ليس لعدم جهوزية الجانب العربي الرسمي، الذي سبق له وقدم تنازلاً أساسياً في قمة بيروت الأخيرة، وإنما لعدم جهوزية الجانب الاسرائيلي الذي يقوده شارون الرافض لأي تسوية سياسية مهما كان سقفها منخفضاً. د ـ في سياق آخر، لا تبدو العملية العسكرية الاسرائيلية قد بلغت نهايتها المطلوبة، فهي ما زالت مستمرة، وتسعى إلى تكريس واقع قائم، ومحصارات جديدة، عبرت عنها عملية اقتحام الخليل ببلاغة كبيرة. فشارون يريد ان يكرس حق الدخول إلى مناطق السلطة الفلسطينية المدرجة تحت عنوان ـ أ ـ ومعاملتها معاملة المناطق المدرجة تحت عنوان ـ ب ـ.
وفي هذا الإطار، فإن اعلان شاؤول موفاز عن اعتقاده بأن "الصراع سيكون طويلاً وما نحن الا في مراحله الأولى، لقد الحقنا بالفلسطينيين هزيمة عسكرية إلا أننا لم نلحق بهم هزيمة في الوعي"، يعتبر خير كاشف، عن العقد التي تنتصب في وجه أي امكان لتحريك عجلة التسوية سياسياً. يضاف إلى ما تقدم جملة القيود والحسابات الداخلية الأميركية الخاصة بانتخابات الكونغرس النصفية، وحكام الولايات في تشرين الثاني المقبل، التي قد تفرض على الإدارة الأميركية عدم الذهاب بعيداً في ممارسة ضغوط فعلية على شارون. وما يعزز من هذه القيود، ما فرضته هذه الإدارة على نفسها، لجهة عدم الغوص كثيراً في ملف أزمة الشرق الأوسط، والاكتفاء بالتدخل وقت اللزوم، أو اقتناص الفرصة في الوقت المناسب. وليس واضحاً، حتى الآن، ان الادارة الحالية ستبدل في نهجها هذا، بالرغم من وجود مؤشرات على جدل داخلي بين وجهتي نظر: الأولى تدعو الى تدخل فاعل وحاسم، والأخرى تصر على تجنب مثل هذا التدخل. وهذا ما يجعل خيارات هذه الإدارة أكثر ارباكاً وتشويشاً، وأقل حسماً. من هنا، فالأرجح، ان ما ستعمل عليه واشنطن هو الجمع بين الاعتبارات الظرفية والتكتيكية، أي العمل على توليف اجراءات ومساعٍ سياسية وأمنية محدودة تكفل تبريد الأوضاع، وإعادة اشاعة مناخ ايجابي في المنطقة، تحتاجه واشنطن لإعادة مركزة الانظار والضغوط على المسألة العراقية، ولترييح الوضع العربي من التوتر الذي يعيشه، وبين الاعتبارات البعيدة المدى التي يبقى لها الآن وظيفة ايمائية ودعائية لتنفيس الأجواء، وإعادة اشاعة اجواء من الآمال الواهية، تسمح باحتواء ما جرى، لتمرير أهدافه العامة. |