المتطرف لَوْ.. بَان

كل ما فيه يميني، بل يميني حتى العظم.. هو  جان ماري لوبان زعيم حزب الجبهة الوطنية المولودة عام 1972 على يديه. الرجل بلغ من العمر عتيّاً، وما زال ينفخ في بوق التطرف حتى أصبح في فرنسا "الإخاء والمساواة والمحبة" الزعيم الوحيد له من دون منازع. وُلد لوبان عام 1928 في إحدى قرى مقاطعة بريتاني، انخرط في صوف فرقة الأجانب في الجيش الفرنسي عام 1954، وخاض غمار المعارك في الهند الصينية، وشارك في الحرب الجزائرية ضمن صفوف المظليين، لا بل إنه تخلى عن مقعده البرلماني لنصرة الاستعمار الفرنسي في الجزائر.. ومرّ على السويس بعيد العدوان الثلاثي، ويقال إنه اشتهر بدفن المصريين على الطريقة الإسلامية.

سليط اللسان، لا يتورع عن الشتم، وإذا اقتضى الأمر قد يوجه لكمة إلى خصمه، كما فعل قبل عدة أعوام عندما أمسك بمرشحة اشتراكية وكاد يضربها. مشاغب من الطراز الأول، طُرد من عدة جامعات ومدارس، ومع ذلك حاز إجازتين في الحقوق والعلوم السياسية.. كما انه حل ضيفاً على مقرات الشرطة الفرنسية عندما كان شاباً لضربه شخصاً أو شتمه آخر. حياته السياسية بدأت عام 1956، أصبح نائباً لرئيس حزب شُكل لتمثيل مصالح التجارة، ثم في عام 1965 ساعد في إدارة حملة المرشح اليميني المتطرف جان لوي تيزيه فينيانكور، ليعود لتأسيس جبهته الوطنية التي جاءت بأفكارها وطروحاتها السياسية شبيهة إلى حد ما بسيرة حياته. لوبن بالنسبة الى معارضيه نموذج للتعصب والعدائية والعنصرية. أفكاره ترعرعت في أحضان اليمين الذي يتخذ من الدفاع عن فرنسا شعاراً له، ويناهض الهيمنة الثقافية الأميركية التي تتغلغل في المجتمع الفرنسي عبر العولمة، ويدعو الى المحافظة على السيادة، ويتحفظ على مشروع الاتحاد الأوروبي. ولكونه يقف على أقصى اليمين، شكل لوبان مفاجأة هزت أركان الجمهورية الخامسة، فهو أقصى في الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية زعيم اليسار ليونيل جوسبان، وهدد سيد الإليزيه جاك شيراك زعيم حزب "التجمع من أجل الجمهورية".. وشكل سابقة تاريخية عندما حصر التنافس بين اليمين ويمين اليمين.

يتفاخر لوبان بأنه يحب العرب ولكن في بلادهم، ويخاف من الغرق في طوفان المهاجرين، لذلك شمّر عن ساعديه منذ مدة طويلة لبناء سد لوقف الطوفان، وطرد هؤلاء المهاجرين "الغازين" الذين يشكلون أكبر مشكلة تواجهها فرنسا وأوروبا، وربما العالم كله، كما يقول لوبان.

البلدوزر السياسي لوبان سياسي ليس كباقي السياسيين، مخضرم لم يجد أمامه سوى التطرف مشروعاً سياسياً متكاملاً.. التقط المزاج العام السائد في الشارع الفرنسي وكذلك في الشارع الأوروبي بشكل عام، يتماشى مع سوزان رايس زعيمة حزب الحرية القومي في النمسا، وزعيمة حزب الشعب الدانماركي بياكير سغارد التي تعتبر المهاجرين الأجانب أيضاً أكبر مشكلة في تاريخ الدانمارك، وباقي زعماء اليمين الفاشي المنتعش على حساب القيم الديموقراطية في أوروبا التي تقف على عتبة التوحد في اتحاد أوروبي ربما سيضع العصي في دواليب هذا المشروع إذا وصل إلى السلطة.

قنبلة لوبان والزلزال الذي أحدثه في فرنسا، ما هي إلا رجع صدى لدوي ظاهرة تكبر في أوروبا وترتكز على الوطنية والحس القومي الذي يتخذ حجر الزاوية في الفكر النازي والفاشي بشكل عام، وكما يقول المثل الفرنسي: "الجميع ربّى الثعبان في صدره"، وهذا ما حصل في باريس وما يمكن أن يحصل في العواصم الأوروبية الأخرى.

سعد حمية