الطلبة العرب في الجامعات الروسية
ما بين الإشاعات والحقائق

 

مع بداية كل عام دراسي يتجه عشرات الآلاف من الشباب العرب الى روسيا لمتابعة تحصيلهم العلمي في جامعاتها. ويُلاحظ أن نسبة الراغبين في إكمال الدراسة في جامعات روسيا والجمهوريات السوفياتية سابقاً لم تتأثر بما شهدته تلك الدول من تغيرات جذرية في شتى مجالات الحياة بعد سقوط الدولة السوفياتية. وعلى الرغم من الأحاديث التي كثيراً ما نسمعها عن سوء النظام التعليمي في روسيا وعن تفشي الفساد والرشوة فيه، إضافة الى تصوير المدن الروسية على أنها معاقل للجريمة المنظمة، نجد أن عدد الطلاب العرب في روسيا يتزايد عاماً بعد عام. وحسبما أشارت مصادر مؤسسة راكوس الروسية، فقد بلغ عدد الطلاب العرب في الجامعات الروسية للسنة الدراسية 2001 ـ 2002 مئة وخمسين ألف طالب.

 

إن تهافت شبابنا على الجامعات الروسية برغم كل ما يُقال عنها، يضعنا في حيرة ويدفعنا للبحث عن الأسباب التي تدفع بهم الى هناك، هذا من جانب، ومدى صحة وواقعية ما يُقال عن المؤسسة التعليمية في روسيا بشكل خاص، وحياة الطلاب العرب فيها بشكل عام.

أول ما قد نفكر به عند سماعنا أن فلاناً من الناس من خريجي روسيا، هو أنه إما قد اشترى الشهادة الجامعية أو أنه قد أعطى الكثير من الرشى حتى أنهى تحصيله الجامعي. ولعل السبب في ذلك يعود الى عاملين: الأول الأسلوب الذي كانت تتعامل فيه الجامعات في العهد السوفياتي مع الطلاب الأجانب الذين ينتمي معظمهم الى أحزاب شيوعية أو ماركسية، حيث كان الطالب يحصل على الدبلوم حتى لو لم يكن مستواه جيداً أو جيداً جداً، لأن القائمين على تدريس الطلبة الأجانب كانوا يعتبرون أن أي شيء قد يحققه الطالب الذي تُعتبر اللغة الروسية بالنسبة اليه لغة أجنبية هو إنجاز يستحق التقدير. إضافة الى التخطيط الحزبي غير المعلن بضرورة حصول الطالب الأجنبي على الدبلوم خلال مدة المنحة الدراسية المقدمة له من الحزب الشيوعي السوفياتي. لكن هذا لا ينفي وجود الرشوة حينها، بل يمكن القول إن أسسها وضعت في ذلك الوقت، فالقوانين السوفياتية التي كانت تمنع المواطن من السفر الى الخارج وتمنعه من التعامل بالعملة الصعبة وشراء المنتجات الأجنبية، أفسحت المجال أمام الكثيرين من الطلاب باستغلال وضعهم كأجانب يملكون الحق بشراء ما يحلو لهم من بضائع تُباع في محلات خاصة بالأجانب فقط، ليقدموها هدية لأستاذ يواجهون مشاكل في مادته، ويقوم هو بدوره بما يرضيهم ويضع لهم علامة تحول دون إعادة الطالب سنته الدراسية، على الرغم من وجود كثيرين ممن حصلوا على دبلوم بدرجة ممتاز من دون اللجوء الى الرشوة، إلا ان العامل المذكور جعل الناس ينظرون إليهم نظرة غير عادلة.

 

الأزمة الاقتصادية

أما العامل الثاني فهو ما حدث أثناء وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي وتعرض جمهورياته لأزمات اقتصادية قاسية، حين أصبح البيع والشراء لكل ما يمكن بيعه وشراؤه هو الشغل الشاغل لكثير من الفئات التي لا علاقة لها أصلاً بالتجارة، وأصبحت الحياة كلها قائمة على مبدأ المنفعة الشخصية. وقد ترافق هذا كله مع إلغاء التعليم المجاني للطلبة الأجانب لتبدأ مرحلة التعليم التعاقدي (مقابل أقساط سنوية)، فتلاقت مصلحة الطلبة الأجانب الراغبين في إكمال دراستهم الجامعية في كليات لم يتمكنوا من دخولها في بلادهم، إما لعدم كفاية المجموع الذي حصلوا عليه في نهاية المرحلة المدرسية أو لعدم قدرتهم على دفع النفقة العالية للتعليم في الجامعات الخاصة في بلادهم، مع مصلحة الجامعات التي لم يعد يكفيها ما تحصل عليه من الخزينة لتغطية نفقات عملها. وكان النظام التعاقدي حلاً مثالياً لكلا الطرفين لولا بروز ظاهرة الرشوة بشكل كبير.

لقد رأى بعض أساتذة الجامعات الروسية في الطلبة العرب الذين أتوا للدراسة على حسابهم الخاص مصدراً للثراء، في الوقت الذي رأى فيه بعض الطلبة في هؤلاء الأساتذة الجامعيين طريقاً سهلاً للحصول على الدبلوم الجامعي مقابل مبالغ معينة تُدفع لكل مادة بشكل مستقل طيلة السنوات الدراسية الخمس. ولعب دوراً رئيسياً في انتشار هذه الظاهرة بين الطلاب العرب إمكانية استغلالهم الوقت في مزاولة أعمال التجارة في بداية انفتاح روسيا على العالم واستيعاب أسواقها لكل البضائع الأجنبية بغضّ النظر عن مصدرها ونوعيتها. وبينما كان طالب الجامعة يعمل في الأسواق ليجني ثروة ويتغيب عن دراسته، كان الأستاذ المرتشي يغطي التغيب والتقصير في المواد التعليمية ليحصل على مبلغ من المال الذي جناه الطالب.

استمرت هذه الظاهرة منذ عام 1991 حتى عام 1998، لكنها كانت تتراجع عاماً بعد عام بسبب الهزات الاقتصادية التي أدت الى إفلاس الكثير من الطلاب ـ التجار، وعدم سير الآخرين من الطلاب الجدد على خطاهم. ويُذكر أن الطالب كان يستطيع شراء الدبلوم المزور في تلك السنوات مقابل مبلغ يتراوح بين ألف الى خمسة آلاف دولار.

لم تختفِ الرشوة من الحياة الدراسية للطلاب بشكل عام، والأجانب منهم بشكل خاص في روسيا، إذ ما زال الكثيرون يفضلون الدفع عن الدراسة استعداداً للامتحانات. يبرر هؤلاء تصرفهم بأن الأستاذ سيطلب بعض المال بغض النظر عن تحضير الطالب للمادة أو عدمه، هذه حقيقة لا يمكن نفيها، لكن يمكن القضاء على هذا الأسلوب السيئ في التعامل مع الطلاب عندما يكون الطالب مثابراً على دوامه، منفذاً كل ما يكلفه به الأستاذ من واجبات طيلة السنة. في هذه الحال يستطيع الطالب أن يكتب لعميد الكلية راجياً أن يمتحنه في هذه المادة أستاذ آخر، ويشرح في طلبه الأسباب.. أول ما يقوم به العميد هو مراجعة جدول الدوام للطالب ومدى تنفيذه لما طُلب منه من نشاطات دراسية، فإذا وجد أن الطالب مثابراً يقوم بتلبية  طلبه والتحقق من أمر الأستاذ المرتشي. ويعود الأمر في النهاية الى الطالب نفسه، فإن كان هدفه العلم حصل عليه بأقل خسائر ممكنة، أما إذا التفت الى أمور أخرى فسيجد نفسه مضطراً لفتح صندوق مالي يدفع منه لمدرسيه، ويعود بعد ذلك الى وطنه بشهادة لا تساوي أكثر من قيمتها كورقة كُتب عليها بحبر جيد.

 

المستوى التعليمي

أما الحديث عن أن المستوى التعليمي سيئ من ناحية المنهاج فهي أمور عارية عن الصحة، لأن النظرية العلمية لا يمكن أن تتغير ما بين الكتب في هذه الدولة أو تلك، وهنا أيضاً يعود الأمر بالدرجة الأولى الى مدى جدية الطالب في مرحلة تحصيله العلمي.

إن الرشوة والفساد والإشاعات التي تُعطي لهذه الجوانب من الحياة الدراسية في روسيا شكلاً أكبر بكثير مما هي عليه في الواقع، هي قضايا تنعكس سلباً على حياة الطالب أثناء دراسته الجامعية وبعد عودته الى بلده حاملاً شهادة جامعية روسية، تتطلب منه الكثير من الجهد كي يحصل بموجبها على فرصة عمل. ونجد أن نسبة كبيرة من الطلاب يقعون ضحية الصورة العامة للشهادات الروسية التي جعلت منها الشائعات أشبه بالتهمة، علماً أنها قد لا تختلف عن الشهادات التي يحصل عليها طلبة جامعات أوروبية أو غيرها.

بعيداً عن أروقة الجامعات وهموم مرحلة ما بعد الدبلوم، يعاني الطلاب العرب من مشاكل ذات طابع آخر لا علاقة له بالمؤسسة التدريسية، وترتبط بالجوانب الاجتماعية والاقتصاية لحياة الطلبة في روسيا، إضافة الى ما قد يقع به الطالب من متاعب بسبب عدم تفهمه القوانين الروسية والقوانين الاجتماعية غير المدونة. إذ ينظر كثيرون من شبابنا الى المجتمع الروسي حال وصولهم الى روسيا، نظرة فيها شيء من التكبر، تخفي في حقيقتها الخوف من المجهول.. حيث يصطدم الطالب بقوانين اجتماعية غير مألوفة بالنسبة اليه، وقد يحتاج الى عدة سنوات من عمره الدراسي في الجامعة كي يستوعب الخطوط الرئيسية لحقائق هذا المجتمع. للأسف فإن بعض الطلاب لا يفكرون بضرورة تفاعلهم مع البنية الاجتماعية الروسية بشكل أخلاقي عادي يساعدهم على تجاوز بعض آلام الغربة، بل يسارعون لاستغلال بعض الأمور المباحة في المجتمع الروسي ـ وتتعارض في الواقع مع القوانين الأخلاقية الحقيقية لهذا المجتمع ـ لتصبح حكايا الليل جزءاً رئيسياً من حياتهم هناك. ومع الأخذ بعين الاعتبار الأوضاع الأمنية غير المستتبة في روسيا وتفشي الفقر من جانب، والجريمة المنظمة من جانب آخر، غالباً ما يقع هذا النوع من الطلاب ضحية إما لهجوم بهدف السرقة، أو للضرب بسبب الغيرة على فتاة روسية.

باختصار فإن ما نسمعه من حوادث أمنية يتعرض لها الطلاب في روسيا هي في معظمها بسبب مسلكهم في بلد غريب لم يحترموا قوانينه، فأصبحوا بهذا خارج رحمة القانون.

هذا طبعاً لا يعني عدم تعرض الأبرياء من الطلاب العرب للسرقة وللضرب، إلا أن هذه الحال نادرة جداً. وحسبما تشير معلومات وزارة الداخلية الروسية لعام 2001 ـ 2002، فقد تعرض في هذا العام الدراسي 16 طالباً عربياً للضرب في الأوقات المسائية، ثلاث حالات منها فقط كانت من دون سبب، أو بالأصح بسبب التطرف القومي المتنامي بين الشبان الروس وظهور ما يسمونهم بـ"الرؤوس المحلوقة".. لتفادي هؤلاء تنصح أجهزة الأمن الروسية الأجانب بعدم الحضور في محيط ملاعب كرة القدم أثناء المباريات، لأن "ذوي الرؤوس المحلوقة" يتجمعون بشكل رئيسي في هذا الوقت بين المشجعين للأندية الروسية.

 

تهويل وتضخيم

أخيراً، وفي عودة الى الموضوع الرئيس، فإن ما نسمعه عن روسيا وجامعاتها ليس عارياً عن الصحة، لكنْ هناك تهويل وتضخيم لما يُقال، ولعل النسبة العالية لطلابنا الدارسين في روسيا عامل يساعد على تضخيم هذه الإشاعات، لأنك لن تجد حياً يخلو من شاب كان في روسيا ويحدثك عما شاهده وما لم يشاهده، بل سمع عن حدوثه في مكان ما.. حتى ان البعض يؤلف أحياناً.

وفي الواقع فإن طالب العلم سيجده أينما ذهب، علماً أنه قد يكون عرضة لأي سوء تفاهم أينما وجد. أما الباحثون عن اللهو والمغامرات، فالأفضل أن يغامروا في بلادهم، لأن الغربة لا تعرف شيئاً عن السندباد، وتحترم في الوقت ذاته المكافحين الجادين لبناء الذات من أجل المساهمة في تطور مجتمعهم في ما بعد. ولكل الحق في ما يختار بشرط أن يكون بحجم المسؤولية أمام خياره، فلا يلقي اللوم على الغير.

طه الولي