في "قرف" الحياة السياسية اللبنانية

في سنوات الخمسينيات، صاغ الخطاب الاقطاعي أرضية رفض اقتراح القانون القضائي بخفض سن الاقتراع الى 18 عاماً، قطيعة الاقطاع السياسي التي توزعت مغانم دولة ما بعد الاستقلال الوليدة، استقرت على "المهابة" من تمردات الشباب وانشدادهم نحو التفلت من ورثة العمل السياسي.

وفي النصف الثاني من الستينيات ولغاية  تشظي اللبنانيين بحروبهم الداخلية في العام 1975، قاد الخطاب اليميني معركة رفض خفض سن الاقتراع، فاليمين أخذه هاجس "يسارية" الشباب فحال دون اقترابه من صندوقة الاقتراع، وفي العام 2002 استبد الخطاب الطائفي بالمطلب "الملعون" إياه، فغدا الخوف من غلبة طائفة لأخرى فعلاً نضالياً طوائفياً يستوجب أن يكون الشباب أدواته ووقوده...

بيت القصيد في الأمثلة الزمنية الثلاثة، يكمن في مفارقة النص الأسير طائفياً، ففي الماضي كان يمكن مواجهة الرفض الاقطاعي بنص سياسي لا يخلو من الصرامة وعلى شاكلة: نعم نريد إنزالكم من علياء السياسة. ومثل هذه الصرامة كان بوسع أهل اليسار رفعها قبالة أهل اليمين ولكن... ماذا بوسع اللحظة الراهنة ان تقول لأهل الطائفة التي تعاند لئلا ينتخب شبابها، وبالتالي شباب لبنان؟؟!!

هنا يبرز الاحباط (وربما القرف) من الحياة السياسية اللبنانية، حيث كل أمر يتطيّف، وكل فعل ومطلب يرتد الى مخاوف سيطرة الطوائف على الطائفة الممتازة، والنتيجة مراوحة السوء اللبناني على ذاته وإفاضته سيئات... ولعل أبرز ما في الأخيرة، حين يصطدم الأمر بباطن الممارسة السياسية وظاهرها، وعليه، لا شك في أن اللبنانيين يقفون أمام السؤال الكثيف الدلالة حيال معنى ان يوقع 108 نواب على عريضة لتخفيض سن الاقتراع، وحين يأتي زمن الجدة والامتحان، "يفرنقع" النواب ولا يكتمل النصاب في المجلس  الموصوف بـ"سيد نفسه"!!!

قد تذهب مثلاً مقولة النائب الحاج علي عمار حول "ثقافة الهواجس" الحائلة دون اقرار خفض الاقتراع، ومثل هذه الثقافة التي تتدشم بالطائفية مرة وبعدم بلوغ الشباب سن الرشد السياسي حيناً، أو بإقران الموافقة على المشاركة الشبابية في الحياة السياسية في طور ثالث، ليس لها (ثقافة الهواجس) من معنى سوى اتجاهين: الأول يرتبط برفض التخلص من خطاب الحرب القائم على التخويف والتحريض والامعان في "أخذ الحيطة والحذر"، فيما الاتجاه الثاني يتعلق بإقفال أبواب التغيير الحقيقي، ذلك أن بعض اللبنانيين يرى خفض سن الاقتراع من شأنه أن يؤسس لتغييرات أعمق، ولأجل إراحة البال، يُقفل باب التغيير ويُرمى مفتاحه في محيطات ثقافة الهواجس الطائفية حيث الغياهب والظلمة.

كيف نبني وطناً... لا أحد يدري.

توفيق شومان