|
|
|
المطران بولس مطر* ان الحضارة بالمعنى الحصري هي نمط عيش وطريقة تعامل مع الكون ومع الانسان الآخر ومع المجتمع أو المجتمعات، بينما الثقافة هي حياة الروح والفكر والقيم بصورة أولى، وهي تتطلب للحصول عليها جهداً خاصاً من كل انسان اذ يمكن ان يكون المرء حضارياً دون أن يكون كثير الثقافة، ويمكنه أن يكون أيضاً مثقفاً دون ان يتعاطى مع كل مستلزمات الحضارة. ومن المعروف أيضاً أن الأديان بصورة خاصة لها دور مركزي في تكوين الثقافات وتفعيلها لأنها تعبّر عن ارتباط المتدين بالمطلق وعن نظرته للكون وللتاريخ وللناس في علاقاته معهم وفي علاقاتهم معه. الا اننا لا نعتقد بأن الكلام عن حوار الحضارات هنا يأخذ الحضارة بمعناها الحصري الضيّق، بل هو يأخذها بالمعنى الواسع الذي يشمل الحضارة والثقافة معاً. ويجب علينا التعامل مع الموضوع المطروح أمامنا على هذا الاساس. بعد هذه الملاحظات، وهذه التوضيحات، نطرح السؤال أولاً حول ما سمي اليوم بفكرة تصادم الحضارات وذلك قبل الولوج الى موضوع الحوار في ما بينها سواء بالطرق التي اعتمدت له حتى الآن، أم بالمستقبل المفتوح لاستكمال العمل في اطاره ومن أجل البلوغ معه للأهداف المنشودة. والسؤال هو هذا، هل ان الحضارات هي بذاتها مصدر صدام أم أن الصدام ينبع في الانسانية من أسباب أخرى؟ المبدأ الفلسفي معروف وهو يقضي باعتبار المادة وليس الروح أساساً للانقسام بين الناس. فإن كانت الحضارة تعبيراً عن حياة الروح في الانسانية فليست هي بحد ذاتها ما يجعل الناس يتخاصمون بل هي المصالح المادية وهي قبل ذلك تلك النظرة المريبة الى الآخر كخصم محتمل أو كمصدر تهديد للرزق وللحياة. الصراعات بين البشر هي اذن وبهذا المنطق صراعات لا حضارية وليست تصادماً بين الحضارات التي ينتمي اليها هؤلاء أو أولئك من الناس. وهذا ما يحمل الأمل بتقدم الانسانية مع تقدم الحضارات أو مع تقدمها هي في الحضارة وفي تجسيد قيمها على أرض الواقع. وقد نسوق دلالة اضافية عن الفصل بين أسباب الصراعات والانتماء الى حضارة من الحضارات، فهي موجودة بشكل ظاهر في الحروب التي جرت وتجري بين أناس ينتمون الى حضارة واحدة. فالنازية الألمانية قد نبتت في قلب اوروبا وفي قارة كانت قد عرفت وحدة سياسية متقدمة في القرون الوسطى. ومع ذلك كان انقسام الشعوب الأوروبية بعضها على بعض إدارةً للظهر للحضارة التي أعطتها كثيراً من معالم هويتها. ولكن هل يعني ذلك أن الحضارة لا تستطيع ان تصبح مصدر انقسامات أو سبباً للصراعات بين الناس؟ وهل تبرأ ساحة الحضارات كلياً من هذا الاحتمال لتحصر أسباب الانقسامات في خانة المصالح المادية وحدها؟ انه لمن الصعب أولاً ان تدعو حضارات الى قتل الآخرين ومحوهم من الوجود لمجرد انتمائهم المختلف عنها، وأن تبقى معدودة في خانة الحضارات. وإن ما يجري في الحقيقة وعلى أرض الواقع هو تصوّر تعزّزه جماعة من الجماعات بأن حضارة ما هي أعلى من كل الحضارات من مثيلاتها، وأن لها الحق في السيطرة على الآخرين سيطرة روحية ومادية لكونها هي الأولى بين حضارات الأرض. وما من شك في ان الثقافة الاوروبية قد شهدت اصحابها يروجونها في العالم على أنها الحضارة الأمثل ويحاولون أن يبرروا باسمها سيطرتهم على منابع الغنى في العالم عبر الامبريالية. وها هم اليوم في أوروبا يعيدون النظر بهذا الاستعلاء الخاطئ ليدركوا أن الحضارات كلها هي مصدر غنى بعضها لبعض عبر التبادل الروحي في ما بينها والتكامل الانساني. أما الاسلام وقد اتهم في بعض الأحيان بأنه يفرض على الغير حضارته دون سواها، فإنه بالحقيقة لم يرفض حضارة الغير بمقدار ما كان في بعض الظروف يرد الفعل بالدفاع عن حضارته وعن هوية أهله الروحية والفكرية وخاصة عندما كان يرى استعلاء الغرب عليه وإنكاره لقيمه التي كان يجهلها أو ينظر اليها نظرة سطحية وخارجية ليس الا. وفي كل حال فها هي دنيا العرب والمسلمين مفتوحة الأبواب والنوافذ للحوار بين الحضارات عبر تفاعل أهلها مع الحضارة الغربية في كثير من مدارسها ومعاهدها وجامعاتها العربية والاسلامية، كما ان تعليم الاسلاميات بات منتشراً ـ والحمد لله ـ في مجمل الجامعات الغربية والمسيحية عبر العالم من أقصاه الى أقصاه. إلا ان التأكيد يبقى مفيداً وضرورياً بأن ليس كل مسلم يمثل كل الاسلام، وليس كل مسيحي يمثل كل المسيحية. فالبشر عرضة للنقص وللحسابات الخاصة على أنواعها، وهم لا يحيون في كل ظرف بمقتضى دياناتهم ولا هم يجسدونها على الدوام التجسيد الحقيقي المطلوب. على ضوء ما تقدم يطرح اليوم السؤال الكبير حول الحوار ومستقبله بين الحضارات، وخاصة بين المسيحية والاسلام لكونهما أكثر من غيرهما ديانتين عالميتي الرسالة والانتشار، ولأن بعض الناس يحاولون زرع الشك في النفوس حول الثمار المرجوة من مثل هذا الحوار، اذا ما قيض له بنظرهم ان يتحقق. وأول ما يتبادر الى الذهن في هذا المجال أطروحة الكاتب الاميركي صاموئيل هانتنغتن الذي أنذر في اطروحاته بوقوع صدام آت لا محالة بين الحضارة الغربية والحضارة الاسلامية. لكن هذا الكاتب يدين نفسه بنفسه، حين ينطلق بأفكاره من منطلقات سياسية وليس من منطلقات فكرية، انه يربط بين الثقافة والقوة، وبين ضعف الغرب وزوال سلطته الامبريالية، ليؤكد تراجعاً ممكناً للحضارة الغربية وصعوداً خطراً عليها للحضارة الاسلامية. ونحن نلفت هذا الكاتب كما نلفت الغرب كله الى ضرورة اعادة ما انقطع من وصل في الحضارة الغربية بينها وبين القيم الدينية المسيحية بالذات. اذ ان هذا الغرب لا يدرك أنه اذا ما أفرغ ذاته من المسيحية فإنه يفرغ ذاته من ذاته، لا أقل ولا أكثر. أما الحضارة المسيحية الحقة، فهي التي وقفت في مؤتمر القاهرة حول المرأة والعائلة منذ بضع سنوات، ممثلة بالكرسي الرسولي الى جانب الشخصيات الاسلامية المشاركة فيه من ايرانيين وعرب وأفارقة للدفاع عن قيم انسانية وأخلاقية بدونها تزهق روح العالم على أنقاض مادية صنمية خرقاء. ولنقل في هذا الشأن ان الامبريالية قد ولّت غير مأسوف عليها، فهي قد استغلّت المسيحية وانتشارها لمآرب سياسية واقتصادية، وهي لم تقم أصلاً من أجل المسيحية ونشر تعليمها، هذا فيما الايمان المسيحي مدعو للولوج في مجمل ثقافات الأرض وفيما التعبير عن هذا الايمان لا يتم بالثقافة الغربية وحدها. وفي كل حال، فإن الغرب المسيحي لا يجاري "نبي الشؤم" هانتنغتن بما راح يروج له من أضاليل، بل على العكس، فإنه بات يتعاطى مع الثقافات المتعددة في العالم على أساس من التبادل المرشح الى ازدياد في الأزمنة الآتية، وليس الى نقصان. والاسلام نفسه قد عرف انتشاراً عالمياً صار معه المسلمون مندرجين في بلدان متعددة القوميات والاتنيات من مشارق الأرض الى مغاربها. فهو ليس ابن قومية واحدة ولغة واحدة على الرغم مما للعربية من مكانة خاصة في صلاته واتصالاته. وقد بات متعايشاً والمسيحية في مجمل الدول والمجتمعات الى حد أنه صار يصعب القول ان العيش المشترك هو نصيب بعض المسلمين وبعض المسيحيين في العالم، فيما تحيا الأكثرية منهم في دول ذات لون واحد. على هذا الواقع الجديد تفتح أبواب المستقبل وهو قابل لازدياد لا لنقصان أو تغيير. وان هذا الأمر متوافق مع طبيعة الاسلام والمسيحية أكثر مما يتوافق مع أوضاع الديانات الكونية الأخرى. فالاسلام والمسيحية يتوجهان الى كل الشعوب بينما الديانات الأخرى تبدو وكأنها تكتفي بحدود انتشارها منذ آلاف السنين. فإن كان الأمر كذلك، وبما أن لا إكراه في الدين، فكيف يمكن لمن هم أقرب الناس مودة بعضهم من بعض الا ان يتحاوروا ويتعاونوا على نشر روح التوافق في الأرض التي لو شاء ربها لجعل الناس فيها أمة واحدة؟ ان آفاق المستقبل في ما يعود للحوار بين الأديان تضعنا منذ اليوم على سكة تصحيح العولمة المادية والسياسية بواسطة العالمية الروحية والانسانية التي تلهم اليها بخاصة المسيحية والاسلام. فهذه العالمية تبنى على المساواة بين البشر وحضاراتهم بوصفها تعبيرات متعددة عن الانسان نفسه. وبما أن الانسان فينا واحد فإن غنى أية حضارة لا يخص ابناءها وحدهم، بل هو ملك للانسان في الانسانية كلها، اذ لا احتكار لأمور الروح كما لا يمكن احتكار الشمس والهواء من قبل أحد. وبما ان مصدر الأديان واحد، سواء ارتكزت على التقاليد أو العقل أو الوحي نفسه، وبما أن الحاجة الى الدين هي من صنع الخالق وليس من المخلوق الذي وجدها في نفسه، فلا مجال لغير التلاقي والتعارف والتحاور بين من يعتنقون الأديان، فهم خدام في رحابها لا سادة، وإن سيادتهم في الحياة لا يمكنها ان تتعارض وروح السيادة الالهية التي تنشر فينا عبير السخاء والرحمة والخير لا أنفاس النفور من الآخر وحرمانه من نعمة الوجود. (*) رئيس أساقفة أبرشية بيروت |