مقولة التطبيع في اتفاقية السياسة العربية

محمود حيدر*

مع انفراط "عقد الحرب الباردة"، والنتائج التي آلت اليها حرب الخليج الثانية ومنها انعقاد مؤتمر "السلام" في مدريد 1990 أخذ يتشكل الأساس الموضوعي لثقافات التحول في البيئات العربية.

وكانت أطروحة التطبيع احدى أكثر الأشكال المعبّرة عن هذه الثقافات. صحيح ان المراحل السابقة من النزاع العربي ـ الصهيوني ومواجهة العرب للعمليات الاستعمارية قد أسست لأيديولوجيا الهزيمة وهيّأت للمراحل التاريخية الراهنة... الا ان المنعطفات التي شهدها الربع الأخير من هذا القرن أطلقت مناخاً عارماً من الحبوط والاستسلام واللاجدوى بين النخب العربية وجماهيرها.

الصورة التي ظهرت عليها البيئة العربية أفصحت عن غربة عامة للتكيف مع الأمر الواقع. وسيدعو كثيرون ممن يحوزون مؤثرات معرفية وثقافية في العالم العربي الى وجوب التكيف مع حصاد الحرب الباردة. بعضهم رأى الى الانتصار الأميركي في ثنائية الاستقطاب العالمي وسقوط الشيوعية الدولية، كانتصار جديد لـ"دولة اسرائيل" والمشروع الصهيوني التاريخي. ثم مضى (هذا البعض) ليرتب اجتهادات سياسية ونظرية وديناميات سلوك، مآلها النظر الى غلبة الحلف الاميركي ـ الاسرائيلي كحقيقة لا تقبل النقض.

ستذهب طائفة من المجتمع الثقافي العربي مذهب الممانعة وإنكار ايديولوجيات التكيف، لكن أوهاماً منوعة ظلت تسيطر على مناخها العام. في مقدم الأوهام، الاعتقاد بانتصار الخصم القومي انتصاراً كاملاً. ولسوف ينطوي على هذا الاعتقاد تراخ لعصب الممانعة الكفاحية والدعوة الى الانتظارية السياسية بذريعة أن وقتاً سيأتي حتماً ويحمل معه ملامح زمن كفاحي جديد.

لقد استتبع هذا التحول في الذهنية الثقافية نشوء خطاب يرى الى التطبيع الثقافي الصهيوني كقدر لا راد له. وأن باستطاعة الثقافة الصهيونية اختراق الثقافة العربية، وأن مواجهة سلام الاكراه والتطبيع بأشكاله وتنويعاته كافة كأنما تبدأ من الحيّز الثقافي بالذات.

وعلى العموم، فقد أنتج المشهد العربي في زمن التفاوض، ضرباً من الاهتزاز في الخطاب السياسي ـ الثقافي وفي لغة المواجهة، فلا التكيف الايجابي مع واقع الحال، حال دون اسئلة الشك، حتى من قبل اولئك الذين أغوتهم نظريات التكيف والتعامل الواقعي مع ديناميات الزمن السياسي السلمي وتفاصيله.. ولا بدا في الجانب الآخر ما يمنع الشعور بالشاؤم بعدما أظهر السلام المتعثّر، امتناعاً حاداً لاجتماع أطراف "السلام" على نسق تسووي واضح المعالم. كان زبيغنيو بريجنسكي (المخطط الاستراتيجي والمستشار للأمن القومي الاميركي في عهد الرئيس الاميركي الأسبق جيمي كارتر) يبدي تشاؤمه من امكانية تحقق سلام شامل ودائم يؤسس لنظام اقليمي شرق أوسطي متعاون ومستقر. لقد بيّن بريجنسكي ان انتصار اميركا في حرب الخليج زجّ بها في انغماس سياسي وعسكري قد يطول أمده وأنه تبعاً لذلك، لن تتحرك أزمة الصراع العربي ـ الاسرائيلي باتجاه الحل. وقد أثبتت تجربة السنوات العشر التي تلت انعقاد مؤمر "السلام" في مدريد عُسر، ان لم نقل استحالة قيام نظام للسلام بين العرب و"اسرائيل". ان اشكالية التجربة السلمية بعد حرب الخليج تأسست على معادلة شديدة التناقض والتعقيد، لقد صار الاسرائيليون أكثر ميلاً الى الاصرار على الحد الأقصى لأهدافهم، بينما لم يعد لدى العرب ما يقدمونه من أجل السلام سوى الاعتراف بدولة "اسرائيل"، وبهذا المعنى ظهرت صورة العرب السياسية على سلبيتها القصوى، حتى وهي تظهر رغبة الحكومات بتحقيق السلام.

قامت الصورة السياسية العربية في زمن "السلام" على مفارقة لافتة مؤداها:ان العرب لا يستطيعون خوض الحرب من دون مصر والعراق ولا هم قادرون على الذهاب بعيداً في سلام يُراد له أن يصب ثمراته في الوعاء الاسرائيلي وحسب.

ان هذا الامتناع الموضوعي عن "سلام الاكراه" مضافاً اليه استحالات التطور السلمي الايجابي على الجبهة السورية ـ اللبنانية ـ مع "اسرائيل" أدى من جملة ما أدى، الى نشوء مناخ عارم من السلام السلبي امتنعت معه الامكانيات الواقعية لاجراءات التطبيع بأحيازه المختلفة وعلى الخصوص الحيّز الثقافي منه. ومما نجم من مناخ "السلام" السلبي، أن حقائق، كانت حجبتها أجواء الهزيمة، برزت بقوة على صفحة النقاش بين النخب العربية. وهي اعادة الاعتبار لمسلّمات من مثل: أن الثقافة الاسرائيلية ـ الصهيونية تفتقر الى علتها التاريخية والواقعية.. وإن هي الا ثقافة برّانية مكتظة بعناصر الشك والالتباس والتلفيق بالشعور الدائم بخطر الآخر، وبسبب من هذه الطبيعة التكوينية للثقافة الاسرائيلية برز الى العلن ما استتر منها طيلة نصف قرن من انضوائها وانعزالها داخل أسوارها المغلقة. لقد ظهر ما يشبه "الهلع الوجودي" بإزاء هلال حضاري قاري لا تستطيع الثقافات البرّانية معه الا الانكفاء أو الذوبان في محيط حضاري عميق الجذور هو الثقافة العربية الاسلامية.

عندما يزعم المفكر الاسرائيلي اسحاق بارموشيه ان التطبيع يبدأ من القلب وعلى مستوى المجتمع المدني وبين المثقفين انما يميط اللثام عن حقيقة مخبوءة في الوعي الصهيوني، هي استحالة قيام "مثاقفة تاريخية" بين ثقافتين نهضتا أصلاً وجوهراً على النفي المتبادل. فلئن أخذت الثقافة العربية الاسلامية الحديثة من الاسلام الأول مفهوم التسامح مع أهل الكتاب، والتعامل مع اليهود كدين ومع اليهودي كموحد، فإن الثقافة الصهيونية لم تر في العالم المحيط، ولا سيما العالم العربي الاسلامي الا سوراً من العداوات ينبغي هدمه ليتحقق الأمان لدولة "اسرائيل". ثم ان نزعة الاستعلاء التي تنبني الثقافة الصهيونية عليها ليست الا الوجه الآخر للخوف من الآخر. وليس من قبيل المصادفة ان ينبري بنيامين نتنياهو ليختم كتابه المعروف "مكان تحت الشمس" بقصة ذات دلالة صارخة على الباراثويا اليهودية المعاصرة تقول "عندما طلب فريدريك الأكبر من طبيبه ان يأتيه ببرهان على وجود الله، اكتفى بالقول، ان وجود اليهود هو الدليل على وجود الله".

مفكر يهودي آخر هو أ.ب. يهوشواع راح يضع استراتيجيات للتطبيع مع العرب، وهو مغرق في مستنقع الشك من امكان تطبيقها. لقد ركّز كما فعل سواه، على أهمية الجانب الثقافي والروحي في السلام العربي ـ الاسرائيلي، الا انه كان يدرك في قرارة ذاته أن ما يقدمه لا يتعدى كونه أهواءً ايديولوجية تترجم المأزق الذي يقيم الفكر الصهيوني فيه الآن، انه يبين ان التطبيع يتم قبل كل شيء على المستويات الدنيا مثل السياحة والتجارة والمياه ورأس المال الخ.. لكن من الخطأ أن نترك هذا التطبيع على خلفية العداء التاريخي. يجب ـ يقول يهوشواع ـ بذل مجهودات خاصة من أجل تقويته عن طريق اجراء اتصالات بين المثقفين ورجال الفكر، بل حتى بين رجال الدين إذا أمكن ذلك...

 

جدل المقاومة والامتثال

 

ينظر العقل الصهيوني الى التطبيع في بعده الأشمل فلا يفصل بين أحيازه وعناصره، وإنما يسعى الى اجراء علاقة تكامل في ما بينها. لعل ما يحصل اليوم على صعيد المنطقة يعكس تدابير اسرائيلية محمومة في هذا الاتجاه. غير ان مدى نجاحها يتوقف على درجة تهيؤ المجتمعات العربية لقبول مثل هذه التدابير.

ان أول ما يرمي العقل الاسرائيلي اليه هو جعل مصطلح التطبيع قابلاً للتداول داخل النص السياسي الثقافي العربي. وحين يأخذ هذا المصطلح قسطه الوازن من التداول فقد يتحول مع الزمن الى قيمة واقعية لم يكن لها أي أساس يُعتد به، أي ان التطبيع الثقافي يأخذ صفته العملية من الحالة التي يصبح فيها محوراً للمساجلات بين النخب العربية. بهذا المعنى سيكون التطبيع الثقافي أشبه بـ"ورطة ثقافية". من علاماتها ان القول بـ"الغزو الثقافي" أو "التطبيع الثقافي" يكرس مصطلحاً خادعاً لا أساس له في الواقع. فهو يفترض حصول سلام لم يحصل. وبالتالي فإنه يحجب حقائق أخرى للتطبيع الاقتصادي والدبلوماسي والتجاري التي تجري وقائعها تحت ستائر كثيفة من الصمت المريب.

ان مبتدأ الشروط الممانعة هو تعامل النخب الثقافية العربية مع هذا المصطلح بوصفه رديفاً سياسياً وثقافياً واديولوجياً لسلام الاكراه. فلا يجوز والحال على هذا الفهم، أن يدخل ـ هذا المصطلح ـ كواحد من العوامل المحركة للخطاب الثقافي العربي، ولو من باب الاعتراض عليه. ان مجرد القبول بمصطلح التطبيع الثقافي يعني الاقرار الضمني بحقيقته الواقعية وبإمكانه التاريخي.

كذلك فإن من شروط الممانعة الإصرار على عدم الفصل بين أحياز التطبيع، أي بين السياسي والثقافي والاقتصادي والأمني الخ. وبهذا المعنى يمكن الاستدلال على خط التطبيع من وجهه السياسي الدبلوماسي بالذات، فمن يريد ممانعة الثقافي عليه بدئياً ان يمانع السياسي، ولئن كان الكلام هنا يعني بالدرجة الاولى المثقفين فلأنه يتوخى خلق المسافة الضرورية ـ الاضطرارية ـ بين وظيفة المثقف ووظيفة السياسي. فما يراه السياسي ويعمل وفق موجباته ليس بالضرورة ما يراه المثقف ويعمل عليه. ربما تكون، وتكمن أهمية المثقف في أنه يرى الى الظواهر بكليتها لا بجزئياتها وتفاصيلها وموازين القوى التي تحكمها.

حين يرفض الثقافي مبدأ التطبيع فهو يرفض وجوهه وأحيازه كلها. فإذا كان الوجه السياسي والاقتصادي للتطبيع هو الذي يجري الآن في المنطقة مجرى الفعل اليومي، فإن الخطر يكمن فيه قبل كل شيء.

ومهما يكن من أمر فإن استعادة روح الممانعة لدى المواطن العربي من طريق الغاء العنف الأهلي، وتعميم الديمقراطية، وإطلاق الحريات هي السبيل لمقاومة أي ضرب من ضروب التطبيع. وهي السبيل الذي يؤسس لقيام كتلة تاريخية تقاوم منطق الهزيمة وتداعياتها في الفضاء العربي بأجمعه.

ان وعي الهزيمة ومصطلحاتها هو قبل أي شيء مستهل وعي الممانعة ووجوبها، لأن ادراك الأمر في الحالين سوف يسقط الأوهام ويضيء على أسئلة ظلت محتجبة عنا زمناً طويلاً.

واذ نقول بوجوب وعي ثنائية الهزيمة والممانعة في آن فإنما نقصد الى اقامة حد فاصل بين ثقافة المقاومة وثقافة الاستسلام. وهو الفصل الذي يمكّن النخب الثقافية العربية من استعادة قضاياها الغائبة، او تلك التي غُيبت في زحام الهزائم والتراجعات المنصرمة.

يبدو لي أن الانهزام الاسرائيلي في جنوب لبنان هو حدث لم نستيقظ بعد على عمقه وأهميته وتاريخيته، ربما لأنه جاء في زمن لا يزال اللبنانيون فيه يعيشون آثار نزاعهم وفرقتهم. ولأنه جاء ايضاً في زمن عربي مكتظ بالتراجعات ومشاعر الخيبة الزمنة. وهذا وجه مأساوي لحدث التحرير. يجب ان نعترف بهذا الحيّز من المشهد. لأن الاعتراف به سيجنبنا اهمال أسئلة جرى السكوت عنها ردحاً طويلاً من الزمن. مثلما سيمنحنا هذا الاعتراف بإمكان نادر، هو مراكمة وعي النصر بعدما تراكم علينا وعي الهزيمة.

علينا أن نضيء وجه الحدث الأكبر لنستضيء به في العتمة العربية الشاملة. لا يقتصر الأمر على السياسة وحسب. أو على موازين القوى العسكرية وما للأمر من دلالات ودروس وعلل. ينبغي ان نرى الى التحرير بما هو أطروحة لم نؤت بمثلها منذ أكثر من نصف قرن.

انها أول هزيمة للكيان الصهيوني وأول انتصار لنا. فعلى هذه المعادلة يمكن ان ننهض على نصاب جديد. وبداية هذا النصاب وعي ثقافة التحرير ووعي التحرير نفسه بما هو بداية ثقافية ومعرفية وفكرية. وبما هو تأسيس حيوي لحداثة كنا أخذنا بها ولم يتسنّ لنا التفقه بوجودها الواقعي. فإذا كانت الحداثة ثقة بالقدرات والارادات فإن اطروحة المقاومة والتحرير هي عين الحداثة التي نريد، وهي عين الخروج من الهزيمة وظلامها.

ان الصورة الاجمالية لتحولات  الصراع العربي ـ الاسرائيلي، على ما فيها من غلبة ظاهرة "لاسرائيل" تنطوي على عوامل تفاؤل لا مناص من الأخذ بها وتفعيلها وترشيدها عن طريق تصفية آثار الاحتلال الذي يملأ الفضاء العربي على كل المستويات. وهذا يقتضي اعادة تشكيل ثقافة العداء التاريخي للكيان الصهيوني وإعادة الاعتبار لمفهوم الوحدة في مجال عمل الحكومات والمجتمعات على السواء، ووقف العوامل المؤسسة للعنف الأهلي العربي وفي مقدمها تحقيق الديمقراطية والاجماع القومي وبلورة الكتلة التاريخية العربية.

لكن تحويل السؤال حول نهاية المشروع الاسرائيلي الى قضية ثقافية ومعرفية وفكرية في العقل السياسي العربي، هو على غالب الظن نقطة البدء.

 

(*) كاتب وباحث سياسي لبناني