|
|
|
جاد مقدس* ما من شك في أهمية ما ذهب اليه المفكر المغربي عبد السلام بنعبد العالي لناحية البحث في واحدة من أعقد المسائل الاشكالية التي تواجه الفكر العربي اليوم: الفكر في عصر التقنية. أي علاقة القوة بالضعف، الوجود بالقوة والحضور بالفعل، وبالتالي احراز شرعية الاعتراف في عالم يعيش حالة سباق مرير مع التكنولوجيا وثورة الاتصال. مؤدى الاشكالية التي يخوض المؤلف غمارها يبدأ من الاقرار بحقيقة ان التقنية تكتسح الوجود المعاصر، ولا أحد يستطيع ان يوقف مدّها. وهذا ليس راجعاً لتدبير فاعل تاريخي، أو لإرادة "مؤامرة" يدبّرها البعض ضد الآخر، وإنما لقدر تاريخي اندلع يوم اتخذ الوجود صبغة رياضية. فتعينت علاقة ما للانسان بالانسان جديدة. وعلاقة لهذا الوجود، وتمخّض عن ذلك مفهوم جديد عن الزمان وتنظيم مغاير للمكان تبلور في التصميم الاقتصادي والتخطيط العائلي وهندسة المدن. وأما السؤال حول ما تبقى للفكر في عالم تهيمن التقنية عليه، فهو المحور الذي تدور عليه محاولات الاجابة. وككل المفكرين العرب وجد عبد السلام بنعبد العالي نفسه أمام سبيل اضطراري لا بد له معه من تحديد موقف ما من العولمة كعصر سيطرت فيه التقنية على كل شيء. وهكذا يبين صاحبنا ان معظم أقرانه من المفكرين العرب لا يقفون موقفاً سالباً من مسألة التقنية.. فجلهم يرى أنها مكتسب انساني ينبغي احتواؤه والافادة منه. ذلك أنها ليست حكراً على الغرب وحده. فالتقنية لا لون لها. انها كالعولمة في شتى أحوالها ومجالاتها، ليست شراً في ذاته أو خيراً في ذاته. وهي مجرد وسيلة وأداة. والوسائل لا تتخذ معناها الا في الاستخدام الذي تستخدم به، فلا داعي، والحالة هذه، الى الوقوف ضد نقل التقنية، بل لا سبيل الى التخوف منها وربطها بمسألة الهوية. لا بل استخدامها كوسيلة للاعتراف وأخذ الموقع الموازي في الاصطفاف الحاصل. ستكون النتيجة المنطقية لمثل هذه النظرة ان لا تناقض بين التقنية والفلسفة. فالتقنية كيفية من كيفيات الوجود وشكل من أشكال الحقيقة. وثمة من يذهب الى أكثر من هذا فيقول: ان ما حصل في العالم هو انقلاب انطولوجي جعل الفكر الكوني معادلاً للتقنية. وفي هذا المعنى يقرّر أن ليس ما يدعو الى التمسك بمقولة الفكر الأصيل. اذ ان كل ما هو هنالك هو كيفيات أصيلة المساهمة في العالمية والمشاركة في الفكر الكوني ومجاوزة التقنية من حيث هي اكتمال للميتافيزيقيا. ان ما يقرره المؤلف من ان التقنية هي قدر تاريخي يدعو الى التساؤل في ما اذا كان بقي هناك من مجال لسيادة الفكر في عالم صار الفكر فيه سجين صناديق المعدن الالكترونية؟ (*) كاتب عربي مقيم في سويسرا |