بوش في أوروبا:
صديق أم عدو؟

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ومع قنبلة هيروشيما والحرب الكورية وصعود الماكارثية في الولايات المتحدة، وما رافق ذلك وأعقبه من بروز التوجهات الامبريالية الأميركية، وهي التوجهات التي تمثلت في العداء لحركات التحرر الوطني، وفي كلّ من الحرب الفيتنامية والصراع العربي الإسرائيلي، وكذلك في سياسات التأييد للنظم الدكتاتورية وفي السياسات الاقتصادية التي اعتمدتها الولايات المتحدة من أجل تخريب العالم الثالث، أصبح من الواضح في ما يتعدى الصراع بين المعسكرين في ظل الحرب الباردة، أن واشنطن لا تطرح نفسها كقوة عظمى وحسب، بل كقوة عظمى تطمح الى فرض هيمنتها المطلقة على العالم كله.

ومع انهيار النظام الشيوعي الدولي، لم يلبث وهم انتصار الغرب الأميركي ـ الأوروبي أن انهار بدوره أمام تفرد الولايات المتحدة بإدارة حرب الخليج الثانية لمصلحتها الخاصة، وعلى حساب مصالح حلفائها العرب والأوروبيين بوجه خاص. وإذا كان العرب أبعد من أن يطرحوا أنفسهم كقوة إقليمية ذات حساب، فإن الأوروبيين الذين يرتكزون على إرث حضاري عريق وعلى قوة اقتصادية وعسكرية كانت قد سمحت لهم باستعمار العالم طيلة خمسة قرون، كانوا قد نهضوا من أنقاض الحرب العالمية الثانية بقوة جعلتهم يستفيدون من القطبية الثنائية وينافسون الأميركيين على تزعم العالم الغربي، ولا سيما مع تقدم خطوات التقارب من خلال مشروع الاتحاد الأوروبي الذي بدا للحظة أنه قد يكون قطباً جديداً يمكن التعويل عليه في مواجهة الولايات المتحدة وسياسات الهيمنة التي تحاول فرضها على العالم.

ولكن هذه الأوهام انتكست مرة أخرى في ظروف عجز أوروبا عن إطفاء الحريق البلقاني، وأخيراً من خلال احتلالها موقع الذنب في الحرب التي تشنها الولايات المتحدة على ما يسمى "الإرهاب الدولي". وقد حاول الأوروبيون عبثاً أن يفعّلوا الحلف الأطلسي في هذه الحرب بشكل يضمن لهم حداً مُرضياً من الحضور على مسرح السياسة الدولية، لكنهم استُبعدوا بشكل مذلّ من قبل الأميركيين، أو كلفوا بمهامّ هامشية في حرب أفغانستان. كما انهم لم يجدوا أذناً أميركية صاغية في ما يتعلق بمعالجة الأزمة العراقية والصراع العربي ـ الإسرائيلي.

وفي غضون ذلك كانت قد برزت سلسلة طويلة من الخلافات بين الطرفين الأوروبي والأميركي حول العديد من المسائل الثنائية والدولية، وكل ذلك جعل أوروبا تصل الى الاقتناع التام بأن العم سام يريد التفرد وحده بإدارة الشأن العالمي، وبأنه لن يتردد حتى عن الإساءة لأوروبا بالذات، ليس فقط من خلال هذا التفرد، بل أيضاً من خلال توجيه ضربات حقيقية إليها من خلال الحرب التجارية، وآخر فصولها المتمثلة بفرض رسوم تصل الى 30 في المئة على الواردات الأميركية من الفولاذ، أو بزيادة المساعدات الحكومية للمزارعين الأميركيين، وما الى ذلك من إجراءات حمائية تتناقض مع الاتفاقات المرعية داخل منظمة التجارة العالمية.

هذا الاستياء الأوروبي من الولايات المتحدة هو ما هدفت زيارة بوش الأخيرة الى عدد من العواصم الأوروبية، لوضع حد له في محاولة لحشد التأييد لأي تحرك أميركي مقبل. ولكن هل جاء بوش الى أوروبا لكي يتسوّل هذا التأييد؟ أم هل قدّم للأوروبيين حداً أدنى من التنازلات الكفيلة بإزالة شكوكهم؟ الواضح ـ على العكس من ذلك ـ أن بوش قد جاء الى أوروبا وهو أكثر تمسكاً من ذي قبل بتوجهات السياسة الأميركية التبسيطية التي تحاول تصوير ما يجري في العالم على أنه حرب مريرة يشنها "إرهاب عالمي" خفي وفائق القدرات على مكتسبات الحضارة والديمقراطية الغربيتين، وأن الخيار العسكري الأميركي هو الرد المنطقي الوحيد، وأن على الآخرين أن يضعوا إمكانياتهم في خدمة هذا الخيار ضمن إطار المعادلة البوشية الصارمة: إما معنا وإما ضدنا في حرب لا يحق لأحد أن يكون فيها على الحياد.

ومن هنا يتساءل العديد من المراقبين، وخصوصاً في ظروف التفوق الأميركي العسكري غير المحدود على أوروبا، وفي ظروف تزايد الاهتمام الأميركي بروسيا على حساب أوروبا، وكذلك أيضاً في ظروف الاستغلال الأميركي لصعود اليمين المتطرف الأوروبي على حساب اليمين المعتدل وأحزاب يسار الوسط.. عما إذا كان بوش قد جاء الى أوروبا صديقاً أم عدواً؟