الولايات المتحدة: إخضاع العالم بالطرائق العسكرية

 

منذ وصول الجمهوريين الى الحكم في الولايات المتحدة، لوحظ تصاعد نزعة التفرد المستندة الى الاحساس بالتفوق الأميركي على بقية العالم. وما الميل الى ترجمة ذلك من خلال فرض هذا التفوق بالقوة العسكرية ـ "الحرب على الارهاب" ـ وزيادة الاعتمادات المالية لوزارة الحرب وتطوير الأسلحة الذرية الجديدة، والتقسيمات الجغرافية للعالم وفقاً لاحتياجات التحرك العسكري الأميركي إلا تعبيرات واضحة عن هذا المسعى.

 

تعبيرات العداء للسياسات الأميركية  برزت بوضوح في تظاهرات الاحتجاج التي شهدتها شوارع العواصم الاوروبية التي شملتها جولة الرئيس جورج بوش بين الثاني والعشرين والثامن والعشرين من أيار/مايو الجاري. وإلى جانب شعارات التنديد بنزعة التفرد وبالحروب التي يشنها ويعد لها الكاوبوي الأميركي، برزت في تلك التظاهرات رسوم كاريكاتورية للرئيس بوش بشاربين مقصوصين على طريقة أدولف هتلر. ولم تكن تلك الرسوم مجرد مفردات عادية من نوع تلك التي تُغترف على عجل من ترسانة المفردات الهجومية التي  تُستخدم عادة ضد شخص غير مرغوب فيه، فالحقيقة أن أكثر من واقعة تشير الى أن اختيار هذه الرسوم بالشكل الذي وردت فيه يدل على وجود مسوغات فعلية تجعل كثيراً من الاوروبيين ـ ممن كانوا يرون في الولايات المتحدة رمزاً للحرية والديمقراطية ويعترفون بفضلها في تحريرهم من النازية ـ يميلون الى الاعتقاد بتنامي نوع من الفاشية الأميركية، وخصوصاً منذ فوز الجمهوريين في الانتخابات الرئاسية وما أعقبه من دخول بوش الابن الى البيت الأبيض في أوائل العام 2001.

 

"تفوق أخلاقي"

 

ومن مصاديق هذا الاعتقاد، بما أن عقدة العظمة والتفوق واللجوء الى استخدام القوة كوسيلة فضلى في تنفيذ المشاريع السياسية، أن المحلل البريطاني ويل هوتون قد استقرأ الخطاب والسلوك الأميركيين منذ أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، ووضع كتاباً بعنوان "العالم الذي نعيش فيه"، حيث دافع عن أطروحة مفادها أن الولايات المتحدة تستشعر نوعاً من مركّب العظمة الذي يستمد جذوره من الاعتقاد بتفوق أميركا أخلاقياً على بقية العالم، وبالطبع فإن لفظة "الأخلاق" لا تتجانس مع المفهوم العرقي في النازية، ولكنها تشير هنا بشكل واضح الى تفوق على مستوى الملكات الانسانية العليا، وتجد تعبيراتها في مفاهيم "السوبرمان" الأميركي ونمط العيش الأميركي والتقدم التقني والاقتصادي الأميركي وما الى ذلك.. وفي الاتجاه نفسه تذهب تحليلات العديد من المراقبين الى ملاحظة مدى الهيمنة التي يمارسها الأصوليون المسيحيون من اليمين المتطرف في الحزب الجمهوري على سياسات الادارة الأميركية.

وتشدد تلك التحليلات على مغزى تبوؤ الكثيرين من مفكري وكتّاب وخبراء مراكز الدراسات المحافظة من أمثال "آرميتاج فوندايشن" و"آميركان انتربرايز يونستايت" للعديد من المناصب العليا في ادارة الرئيس بوش، وخصوصاً أن القواسم المشتركة بين هؤلاء الأشخاص هي رفض العمل المشترك بين أميركا وحلفائها، والابتعاد عن فكرة تحكيم القانون الدولي والأمم المتحدة في النزاعات الدولية، واعتبار ذلك من الأمور المشؤومة والمضرة بقضية الدفاع عن المصالح القومية الأميركية. وفي السياق نفسه اعترفت مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، في محاضرة ألقتها في جامعة "توفتز" (ماساشوستس) في التاسع عشر من أيار/مايو الجاري، بأن ما لا يقل عن نصف المسؤولين في الادارة الأميركية الحالية لا ينظرون الى حلفاء الولايات المتحدة وإلى الاتفاقيات الدولية بوصفها أسساً ضرورية للتعامل مع مشكلات العالم، بل باعتبارها ضواغط معيقة للسياسات الأميركية.

 

الرديف العسكري

 

فإذا أضفنا النزعة الأميركية الواضحة الى التفرد، الى الاحساس الأميركي الواضح بالتفوق، الى الاعتقاد الأميركي الراسخ بتجسيد الذات لقيم الحرية والديمقراطية وبتجسيد الآخر لقيم الشر والديكتاتورية، فإننا نفهم مغزى هذا الاقبال الأميركي على قرع طبول الحرب وتوسيع دائرة التدخل العسكري من أفغانستان الى الفيليبين والقفقاس وكولومبيا، اضافة الى حرص الادارة الأميركية على إلحاق أسماء جديدة كل يوم بلائحة البلدان والجهات المستهدفة.. وبالطبع فإن حروب الولايات المتحدة الحالية والمقبلة تتطلب استراتيجيات سياسية وعسكرية وأشكال تدخل مختلفة عما كانت تفترضه المقاربات المعمول بها خلال فترة القطبية الثنائية، ومن أبرز التطورات الأخيرة في هذا المجال لجوء الولايات المتحدة ـ اضافة الى اضطلاعها المباشر بإدارة المعركة ضد ما يسمى بالارهاب عبر إيصال عناصر الاستخبارات المركزية (CIA) الى مراكز القرار في مكاتب وزارات الداخلية في العديد من البلدان المعنية ـ الى إطلاق ورشة عمل ضخمة من الاجراءات العسكرية على مستوى التسلح من جهة، وعلى مستوى التقسيم الجغرافي للعالم وفقاً لاحتياجات التحرك العسكري الأميركي من جهة ثانية. والمعروف أن هذه الاجراءات قد تتطلب زيادة مبلغ 48 مليار دولار على موازنة الحرب للعام 2003، بحيث تصل هذه الموازنة الى 380 مليار دولار، أي ما يزيد على الموازنات الدفاعية لأربعة عشر بلداً هي الأكثر إنفاقاً في هذا المجال.

 

أسلحة ذرية

 

فعلى مستوى التسلح برز الاهتمام منذ وصول بوش الى البيت الأبيض، بتغيير العقائد العسكرية التقليدية واستبدالها بعقيدة تقوم على تطوير أجيال جديدة من الأسلحة، بما فيها الأسلحة النووية وحاملاتها الاستراتيجية. ويشتمل هذا التوجه على إنتاج رؤوس نووية تكتيكية ومقذوفات نووية قادرة على اختراق الدفاعات المحصنة تحت الأرض. وقد ذكرت صحيفة "واشنطن بوست" أن الولايات المتحدة تنوي إنتاج 600 من هذه الرؤوس النووية الجديدة بدلاً من الـ350 رأساً التي تُنتج في الوقت الحاضر. أما حاملات هذه المقذوفات فتتراوح بين الصواريخ العابرة للقارات من طراز "ميونيتيان3" وصواريخ "تريدانت" المنقولة على الغواصات، وصواريخ أخرى يمكن نقلها بالطائرات القاذفة. وقد وردت هذه المعلومات في تقرير بعنوان "تحليل الوضع النووي"، وضعته هيئات مختصة بإشراف وزير الحرب دونالد رامسفيلد ووافق عليه الرئيس بوش الشهر الماضي. وفي تعليق على ذلك صرح ناطق باسم "مجلس الدفاع عن الموارد الطبيعية"، وهو جمعية بيئية متخصصة في تحليل برامج التسلح النووي الأميركي، بأنه لم يسبق التركيز بهذا الشكل على الجانب النووي في الاستراتيجية العسكرية الأميركية منذ تجدد الحرب الباردة خلال ولاية ريغان الاولى، وظهور عقيدة حرب النجوم.

 

جغرافيا حربية

 

أما على مستوى التقسيم الجغرافي للعالم وفقاً لاحتياجات التحركات العسكرية الأميركية، فقد صدر عن القيادة العليا للجيوش الأميركية قرار في 17 نيسان/إبريل الماضي يقضي بإنشاء قيادة جديدة تحت اسم قيادة الشمال، وتشتمل على كامل أميركا الشمالية، أي الولايات المتحدة وكندا والمكسيك وقسم من منطقة بحر الكاريبي.

أما مهام هذه القيادة التي أُنشئت بتأثير هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، فتتمثل بحماية أراضي الولايات المتحدة من أي هجمات إرهابية جديدة. والمعروف أن الجيوش الأميركية تخضع لأربع قيادات هي: قيادة الجنوب المشتملة على أميركا الجنوبية، وقيادة الوسط المشتملة على كامل المنطقة الممتدة من أواسط افريقيا الى أواسط آسيا مروراً بالشرق الأوسط، وقيادة الباسيفيكي الممتدة من شرق آسيا الى أوستراليا والمحيط المتجمد الجنوبي، وقيادة أوروبا الممتدة من السواحل الجنوبية والغربية لإفريقيا الى غروينلند في الشمال الغربي وأقصى سيبيريا في الشمال الشرقي مروراً بكامل القارّة الاوروبية. وقد أُلحقت مؤخراً كل من روسيا ومنطقة بحر قزوين بهذه القيادة الأخيرة بعد تسلم بوش مهامه الرئاسية.

وفي الوقت الذي حافظت فيه الحكومة الكندية على الصمت، بالرغم من ظهور استطلاعات للرأي تبين أن ثلثي سكان الولايات المتحدة لا يعلمون ان كندا التي شملها قرار إنشاء قيادة الشمال هي بلد مستقل، فقد أثار الاعلان عن إنشاء تلك القيادة ردود فعل قوية في المكسيك، حيث رأت أوساط المعارضة أن ذلك القرار يستتبع وجود قواعد عسكرية وجيوش أميركية في المكسيك، ما يشكل خطراً على السيادة الوطنية وخضوع البلاد لسلطة أجنبية. وقد وصل بعض النواب وأعضاء مجلس الشيوخ في المكسيك الى حد اعتبار المكسيك بلداً مرشحاً للاحتلال الأميركي، وتكلموا عن الحاجة الى التحرك من أجل المطالبة بحق بلادهم في تقرير المصير.