|
احتلت لقاءات الرئيس الأميركي جورج بوش مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين التي جرت في موسكو وبطرسبورغ وروما موقعاً أكثر أهمية من لقاءاته مع نظرائه الأوروبيين. فالشراكة الأميركية ـ الروسية الجديدة ألقت في دائرة الظل بالمطالب الروسية التقليدية بخصوص البلقان ومناطق النفوذ السوفياتية السابقة، وكذلك أيضاً بمسألة الدرع الصاروخية التي لا يزال ملفها موضوعاً على مكتب بوش. لا بل ان الرئيس بوتين قدم، من موقع الرهان على الاستفادة من الحرب ضد ما يسمونه الإرهاب ومن المساعدات المالية الأميركية، تنازلات أخرى أكثر أهمية، وهو الذي كان، حتى وقت قريب، يعادي فكرة اقتراب الحلف الأطلسي من حدود روسيا، عندما وافق على انضمام أوكرانيا، ضرّته في عقر دارته، الى الحلف المذكور، باعتبار أنها بلد مستقل ويحق له اتخاذ ما يجده مناسباً من قرارات.
ولكن هذا التنازل لم يكن بالأمر الشاق بعد سلسلة التنازلات التي أقدم عليها الروس في المفاوضات التي اختتمت مؤخراً في ريكجافيك، وأقرت تخفيض الترسانتين النوويتين التقليديتين لكل من روسيا والولايات المتحدة من ستة آلاف رأس حربي لكل منهما الى عدد يتراوح بين 1800 و2200 رأس: بشرط مؤلم بالنسبة لروسيا وهو عدم تفكيك الرؤوس المسحوبة من الاستخدام، والاكتفاء بتخزينها بداعي إعادة استخدامها عند الحاجة. فقد خرج بوتين من هذه الصفقة خاسراً وإلى حد باهظ، لأن الرؤوس النووية الروسية التي ستسحب من الاستخدام ستتعرض حتماً للتلف في ظروف عجز الروس عن القيام بإجراءات الصيانة الضرورية، بينما ستحتفظ الولايات المتحدة بكامل رؤوسها النووية غير المنشورة في المستودعات وستخضعها لإجراءات الصيانة الضرورية ما يعني أن اتفاقية تقليص الرؤوس النووية لم تسرِ إلا على روسيا وحدها.
ولم تقف الخسارة الروسية عند هذا الحد: ففي الوقت الذي سلّم فيه بوتين ثلثي القدرات النووية الروسية لبراثن الصدأ واحتفظت الولايات المتحدة بكامل قدراتها في هذا المجال، كانت واشنطن قد استبقت ذلك وطلعت بمشروعها الجديد القاضي بإنتاج أجيال جديدة من الأسلحة النووية اللازمة، من وجهة نظر الأميركيين، للحرب ضد ما تسميه "الإرهاب"، بينما لن يكون بمقدور الروس لأسباب مادية وتقنية وسياسية، أن تفكر في إنتاج مثل هذه الأسلحة.
خسائر على طول الخط يضاف إليها اعتراف بوتين بحق الأميركيين في آسيا الوسطى والقفقاس وبحر قزوين وحتى في الشيشان، مع مكسبين وحيدين تمثلا، من جهة، في نجاح بوتين في عرض وجهة نظره عن الاستخدام السلمي لمفاعل بوشهر الإيراني، ومن جهة أخرى، في الحصول على مقعد لروسيا في الحلف الأطلسي تنال بموجبه حصة من الواجبات دون الحقوق. تطور جاء كخاتمة فعلية للحرب الباردة نقلت روسيا من موقع الند في علاقتها مع الغرب والولايات المتحدة، بوجه خاص، الى موقع التابع في مواجهة الخطر الجديد الذي يُصور على أنه تهديد للجميع.