أوروبا وروسيا: مزيد من التنازلات لمصلحة واشنطن

 

جولة بوش الأوروبية أسفرت عن تبني الزعماء الأوروبيين بمن فيهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لوجهة نظر واشنطن بخصوص الحرب على الإرهاب وغيرها من القضايا الدولية والثنائية. معادلة أنتجها الفارق الهائل في القدرات العسكرية بين الجانبين، إضافة الى جدية الولايات المتحدة في تطبيق قاعدة من ليس مع أميركا فهو ضدّها.

 

الأفكار التي حملها الرئيس بوش في جولته الأوروبية التي شملت كلاً من ألمانيا وروسيا وفرنسا وإيطاليا، سبق له أن عرضها قبيل مغادرته واشنطن في مقابلة أجرتها معه صحيفة لوموند الفرنسية وعدد من الصحف الأوروبية الأخرى. فقد ركز بوش على ما اعتبره قيماً مشتركة بين الولايات المتحدة وأوروبا، وحدد هذه القيم على أنها حب الحرية والقانون والسلطات الدستورية والسوق، وهي جميعاً تتطلب موقفاً موحداً في ملاحقة الإرهاب وضربه.

 

عدو مشترك جديد

وفي جميع محطات جولته، ركز بوش ـ على خلفية أجواء التصعيد التي أثارتها السلطات الأميركية في الآونة الأخيرة عن احتمال تعرض الولايات المتحدة لضربات جديدة مشابهة لضربات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر ـ على الخطر المتمثل بالعدو المشترك الجديد، ووصف من أسماهم الإرهابيين بالقتلة، واعتبر أن أوروبا مهددة بالقدر نفسه كالولايات المتحدة.

وبرغم بعض التحفظات الشكلية التي تظل ذات مغزى مع عدم تأثيرها الفعلي في المواقف الملموسة، وهي التحفظات التي لّمحت الى ضرورة الأخذ بعين الاعتبار الظروف التي ينشأ فيها الإرهاب، وعدم الاقتصار في مكافحته على الوسائل العسكرية وحدها، فقد التقت مواقف الزعماء الأوروبيين مع الموقف الأميركي من هذه المسألة، وبرزت تصريحات الرئيس شيراك التي أكد فيها إرادة العمل المشترك من أجل اجتثاث ما أسماه "الوحشية الإرهابية". ومن جهته عبر وزير الخارجية الألماني يوشكا فيشر عن واقع الحال المتمثل بعودة الأوروبيين في نهاية المطاف وبعد الاعتراض والممانعة، الى التزام الموقف الأميركي عندما اعتبر أن الخلافات بين أوروبا والولايات المتحدة حول مسائل الإرهاب والشرق الأوسط لا يجب أن تؤدي الى تعميق الهوة بين ضفتي الأطلسي.

 

التزام أميركي بـ"إسرائيل"

 

والمعروف بخصوص الشرق الأوسط، أن الأوروبيين يرغبون في أن تقوم الولايات المتحدة بدور أكثر فاعلية في الضغط على "إسرائيل"، وأن تجري المباشرة سريعاً بعقد مؤتمر دولي للسلام، بينما يميل الأميركيون الى إخلاء الساحة للطرفين المتنازعين الإسرائيلي والفلسطيني وحدهما، ويراهنون على مؤتمر السلام والمبادرة السعودية في التوصل الى اتفاق بشأن إقامة دولة فلسطينية، ولكن بعد إصلاح مؤسسات السلطة، وربما أيضاً بعد إقصاء بعض "العجائز" المعاندين ممن يقودون شعبهم الى الكارثة، على ما ورد في تصريح لمادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، وهو تصريح لا يختلف في جوهره عن رأي الرئيس بوش الذي يعتبر عرفات مسؤولاً عن إضاعة فرصة لا تعوض عندما رفض عرضاً سلمياً تقدم به الرئيس السابق بيل كلينتون في كامب ديفيد إبان حكم حزب العمل الصهيوني. وإذا كان الموقف الأميركي هو الذي ظل راجحاً على الموقف الأوروبي بخصوص المشكلة الفلسطينية، فإن الأمر نفسه يقال أيضاً عن المشكلة العراقية، حيث حافظ بوش على موقفه الداعي الى إسقاط النظام العراقي، وهو الموقف الذي يرفضه الأوروبيون رسمياً على الأقل، إضافة الى كونهم يفضلون التعامل مع المشكلة من خلال الأمم المتحدة لا من خلال التدخل العسكري الأميركي المباشر.

وفي ما يتعلق أيضاً بالملفات الدولية الساخنة، لم يسجل تباين في الموقف من التوتر القائم في كشمير وعلى الحدود الهندية الباكستانية، ولا من التجارب الصاروخية التي أجرتها باكستان وأدانها بوش، معتبراً ـ على خلفية الإمعان في دفع النظام الباكستاني الى المزيد من ملاحقة الحركات الإسلامية ـ أن محاربة ما أسماه الإرهاب في كشمير هو أولى بالنسبة الى باكستان من إجراء التجارب على الصواريخ.

 

لطمة للأوروبيين

 

أما بالنسبة الى التوترات التي تثقل أجواء العلاقات الثنائية بين أوروبا والولايات المتحدة، فإن محاولات الأوروبيين مناقشة مسائل كيوتو ومحكمة الجزاء الدولية لملاحقة مجرمي الحرب والضرائب الأميركية على واردات الفولاذ والمساعدات الحكومية للزراعة في الولايات المتحدة والزيادات الكبيرة في موازنة الدفاع الأميركية، فإنها لم تحظَ بقبول الرئيس بوش في ظروف إصراره على إعطاء كامل الأولوية للحرب على الإرهاب وما يتعلق بها من ترتيبات أمنية وإجراءات تعاون على مستوى تبادل المعلومات وقطع الإمدادات المالية عن الشبكات الإرهابية ومطاردة الإرهابيين وما الى ذلك. وفي ما يشبه الرد على ارتياب الأوروبيين بمقاصد الولايات المتحدة من وراء رفع موازنة الدفاع فيها الى 380 مليار دولار، إضافة الى التوجه نحو إنتاج أسلحة نووية تكتيكية جديدة، زايد الرئيس بوش على الأوروبيين الذين يدعون الى إحياء الحلف الأطلسي كمجال للعمل المشترك بدلاً من سياسة التفرد الأميركية في المجال العسكري، عندما وافق على ضرورة إجراء تغييرات في بنية الحلف ووظائفه ونظمه الحربية بالتوازي مع زوال الخطر الروسي وبروز تهديدات جديدة تفرض إجراء تلك التغييرات. وبذلك يكون بوش قد صرف النظر عن التوظيف الأميركي في الأطلسي، تاركاً هذه المهمة للأوروبيين الذين يعيشون حال عجز فعلي عن إقامة نظمهم الدفاعية الخاصة، ما يعني أن الحلف الأطلسي سيواصل التراجع أمام قدرة الولايات المتحدة على فرض إملاءاتها على العالم اعتماداً على إمكانياتها العسكرية وحدها.

وهذه النتيجة جاءت بالطبع كلطمة للأوروبيين الذين وضعهم الموقف الأميركي في موقع حرج، حيث لا يستطيعون القيام بمفردهم بأعباء الحلف، وحيث بات من المفروض عليهم بعد انقضاء الحرب الباردة التي كانت تجمعهم مع الأميركيين ضد الخطر الشيوعي، أن يواجهوا خطراً جديداً يتمثل باهتمام الولايات المتحدة بتعميق العلاقات مع الروس ـ أعدائها القدماء ـ على حساب الأوروبيين الذين طالما ارتبطوا معها بعلاقات تحالف وصداقة عريقة جداً.

وبكلمة، فإن جولة الأيام الستة التي جالها الرئيس بوش في أوروبا لم تأتِ بجديد بقدر ما جاءت الإملاءات الأميركية حديدية في فرضها على الأوروبيين مزيداً من المشاركة في ملاحقة الارهاب، وهو الأمر الذي لا يسعهم غير قبوله ولو على مضض، لعلمهم بأن الأرباح سيذهب جلها الى الولايات المتحدة التي حازت من روسيا حقوقاً في آسيا الوسطى والقفقاس، أما الخسائر فإنها قد تكون أشد إيلاماً لأوروبا بسبب هزالها العسكري مقارنة مع الولايات المتحدة.. وما العملية التي استهدفت اثني عشر خبيراً عسكرياً فرنسياً في باكستان غير إرهاصة لأحداث من شأنها أن تجعل من أوروبا نفسها في لحظة ما، هدفاً من أهداف الحملة التي تسعى واشنطن من خلالها الى فرض هيمنتها غير المشروطة على العالم.

د.عقيل الشيخ حسين