ازياد الطاقة التخزينية وراء انهيار سد زيزون
الخبير الدولي نبيل سمان لـ"الانتقاد":
يجب إعادة النظر في مشاريع السدود المتوسطة في سوريا

دمشق ـ ثائر سلوم

لم يكن أهالي قرية زيزون شمال سوريا يعرفون أن السد الذي بني في محاذاة قريتهم إلى درجة أصبحوا "محسودين" من أهالي القرى الأخرى، أنه سيكون نقمة عليهم وذلك بعد أقل من ست سنوات من البدء باستثمار السد، إثر انهياره يوم الثلاثاء الماضي، وغمره عدة قرى، منها قرية زيزون نفسها التي غمرها بالكامل.

وبالرغم من الكارثة التي حلت بسوريا وبأهالي المنطقة على وجه الخصوص، إلا أن العمل الميداني أكثر أوجهه المتعددة، بدءاً من متابعة الرئيس بشار الأسد شخصياً للموضوع وتوجيهه أن تقوم جميع المؤسسات والهيئات المعنية في سورية بتقديم كل المساعدات اللازمة لأهالي المنطقة التي تضررت من انهيار السد في منطقة الغاب، كما طلب تقديم مساعدة فورية بقيمة خمسين ألف ليرة سورية (نحو ألف دولار) عن كل ضحية من الضحايا الذين بلغ عددهم حتى مساء أمس الأول عشرين شخصاً، وبتقديم عشرة آلاف ليرة سورية لكل أسرة متضررة ريثما تحصى الاضرار ليعوض عنها بشكل كامل.

وفي السياق ذاته فإن تحقيقات عديدة بدأتها النيابة العامة في مدينة حماة (وسط سوريا) للتحقيق في أسباب انهيار السد، وتحديد المسؤولية في ذلك.

وحول أسباب انهيار السد، والأضرار التي خلفها، كان لنا هذا الحوار مع الخبير الدولي في مجال المياه الدكتور نبيل سمان بعد ساعات قليلة من حدوث الانهيار، وهذا نصه.

برأيك، ما هي التقديرات الأولية للأضرار التي خلفها انهيار سد زيزون في شمال سوريا، وما الأهمية التي كان يقع عليها؟

آخر الأنباء تشير إلى غمر السد لأربع قرى في تلك المنطقة، وما من شك أن سوريا من أكثر دول العالم الثالث التي فيها سدود، حيث يزيد عدد السدود في سوريا عن 149 سداً، إلا أنها تتوزع على ثلاثة أنواع: رئيسية ومتوسطة وتجميعية، وأغلب السدود هي تجميعية.

وقد لعبت السدود في سوريا دوراً كبيراً على مدى السنوات العشر أو الخمس عشرة سنة الماضية، في زيادة الرقعة الزراعية في سوريا، التي أصبحت من البلدان القلائل في منطقة الشرق الأوسط التي حققت اكتفاءً غذائياً وزراعياً، حيث يلاحظ المواطن والسائح وجود كميات كبيرة من الخضار والفواكه فيها، إضافة إلى وجود مخزون كبير من الحبوب والقمح والشعير، وهذا ما يدل على أن السدود لعبت دوراً كبيراً في ذلك.

وما أثر سد زيزون على الاقتصاد السوري؟

إن سد زيزون من السدود المتوسطة، ولا يمكن أن يؤثر على الاقتصاد السوري أو الزراعي، ولكن، ما من شك، أن له تأثيراً على المنطقة وعلى السكان وعلى الخسائر المادية والزراعية في المنطقة. أما من ناحية الثروة الزراعية فإن الخسائر تعتبر قليلة مقارنة مع الناتج القومي السوري، ولكن بالنسبة للمنطقة التي حدث فيها الانهيار تعتبر الخسائر شديدة من الناحية الزراعية.

أعتقد أنه بعد انهيار هذا السد ستحدث مراجعة لفكرة السدود في سوريا، ولا سيما أن هناك مراجعة دورية في قضية السدود، فأنا مع السدود التجميعية ولكن السدود المتوسطة التي تبنى على الأنهر أو تستجر مياهها من الأنهار فأثبتت في بعض الأحيان عدم جدواها لأننا نستجر مياه السدود من أنهار يمكن استعمالها على مدى السنة، وإن لم يكن من الممكن استعمالها على مدى السنة فلها تأثير بيئي شديد على المناطق. أما بالنسبة لسد منطقة الغاب على وجه الحصر فكانت تعاني منطقة الغاب من مشاكل بيئية لأنها كانت منطقة مستنقعات وقد  نُشفت، وبُني عدد من السدود فيها، وأهمها سد محردة الذي هو قريب من تلك المنطقة، على نهر العاصي، وكذلك فإن سد زيزون يأخذ مياهه من مياه نهر العاصي وما تجود به السماء، فهناك مضخات على نهر العاصي عند منطقة عين الزرقا، وهذه المضخات تقوم بضخ المياه إلى سد زيزون والذي هو على منطقة تلية ويغذي منطقة زيزون والقرى المجاورة بمياه الري، كما انه  يساهم في درء الفيضانات.

باعتقادك، ما هي الاحتمالات الفنية الكامنة وراء انهيار السد؟

برأيي أن المشكلة التي حدثت الآن قد تكون ناتجة عن بنية السد، ولكن على الأغلب، هناك زيادة في الطاقة التخزينية عن الحد المسموح به، المقدرة بـ 71 مليون متر مكعب، وتشير الدلائل الى أنه يزيد بعدة ملايين من كميات المياه، الأمر الذي من الممكن أن يكون قد أدى إلى انهيار السد. وهناك ملاحظة أخرى هي أن السدود يجب ألا تُملأ حتى الحد الأعلى من طاقتها التخزينية،  ونرى ذلك من خلال سد أتاتورك في تركيا الذي تبلغ طاقته التخزينية 48 مليار متر مكعب، إلا أن السلطات التركية لا تخزن فيه أكثر من 37 إلى 38 مليار متر مكعب، خاصة بعد أن تبين أن السد ليس جيداً من الناحية الفنية والتقنية، فاضطرت السلطات التركية إلى عدم استخدام الطاقة التخزينية العليا.

 ربما تكون زيادة التخزين عن الطاقة الحدية للسد هي السبب وراء الانهيار، وإذا زادت فيجب ألا تخزن مياه في بحيرة السد بما لا يزيد عن الطاقة التخزينية، وكما اشارت بعض الأنباء إلى أن الفلاحين في تلك المناطق يستجدون السلطات لإعطائهم بعض الماء لحدوث جفاف في بعض المناطق، مثل قسطرون، ولكن سلطات السد لم تعط المياه، وهذا يؤكد التقديرات في أن هناك زيادة في الطاقة التخزينية.

وماذا بالنسبة للأضرار التي خلفها انهيار سد زيزون على الأراضي الزراعية، وخاصة أن ضمن الأهداف التي يحققها هو ري الأراضي القريبة منه؟

لا ننسى أن مساحة بحيرة السد هي 330 هكتاراً مربعاً، وهذه مساحة كبيرة، وإذا أخذنا بالحسبان الطاقة التخزينية 71 مليون متر مكعب فإن انهيار السد، كما تشير الدلائل، أوجد شرخاً يقدر بمئة متر، أدى إلى بلوغ سرعة التدفق المائي منه إلى نحو 400 متر مكعب بالثانية، حيث تعتبر هذه غزارة شديدة تعادل غزارة نهر الفرات، وبالطبع عندما يحدث التدفق بهذه الكثافة فإنه سوف يُحدث أضراراً بليغة ليس فقط بالممتلكات والسكان ولكن بالأرض الزراعية نفسها، حيث تجرف هذه الكميات الهائلة التربة وتؤدي إلى أضرار بليغة في التربة فلا يمكن استعمالها لفترة من الزمن.

وما هي أهمية سد زيزون بالنسبة للسدود الموجودة في سوريا؟

كما ذكرنا فإن زيزون من السدود المتوسطة في سوريا، أي انه يأتي في الدرجة الثانية بعد أربع سدود هامة في سوريا، ومنها سد الفرات، ولا بد من بعض المقارنة هنا: صحيح أنه عندما ينظر إلى سد زيزون على أن طوله خمسة كيلو مترات ونصف تقريباً وطاقته التخزينية 71 مليون متر مكعب فإنه يبدو سداً ضخماً، ولكن يحجب مقارنته بسد كبير آخر مثل سد الفرات الذي تبلغ طاقته التخزينية 11.4 مليار متر مكعب، ويمكن زيادة هذه الطاقة إلى 13.4 مليار متر، أي اننا هنا نتكلم بالمليارات وهناك نتكلم بالملايين، وهناك فرق كبير، ولكن ما يلفت النظر أنه عندما انهار السد، فإن تدفقه أصبح يعادل تدفق الفرات.

ذكرت آنفاً، أن سد آتاتورك في تركيا ليس مبنياً بطريقة فنية جيدة، فهل هذا السد معرض للانهيار أيضاً؟

أعتقد أنه على السلطات السورية والتركية أن تعيد النظر في الدراسة الفنية لسد أتاتورك، وخاصة أنه بُني في أرض زلزالية، وتحدث الزلازل في تلك المنطقة كل 200 سنة. وعلى الرغم من أن السلطات التركية ادعت أن هذا السد يتحمل زلزالاً لأكثر من 8 درجات، إلا أنه عندما كانت تجري الدراسات والتجارب  لبناء السد غُير موقعه عدة مرات لوجود فوالق صخرية في منطقة جنوب شرق الأناضول المعروفة بكثرة الزلازل.

لا أريد أن أخيف القراء ولكن إذا انهار هذا السد فإنه سيغمر جميع الأراضي من منبعه إلى مدينة البصرة في العراق، ولن تبقى حضارة في تلك المنطقة لأننا نتكلم عن 38 إلى 40 مليار متر مكعب من المياه، وهذه كمية هائلة جداً، لن تبقي مدينة على ضفاف نهر الفرات، وهناك دراسات أثبتت أن هذا السد ليس جيداً من الناحية الفنية، وللإشارة إلى ذلك نشير إلى أن أي سد بعد بنائه "يأخذ راحته" في التربة، فيغطس في أول سنة بمقدار نصف سنتيمتر، وبعد ذلك ربع سنتيمتمر وبعد ذلك يتوقف، ولكن سد أتاتورك في أول عام غطس في التربة ما يزيد عن 2 سنتمتر، وبعد ذلك غطس سنتيمتراً، واستمر عدة سنوات يغطس بما يزيد عن عدة ميليمترات، أو أجزاء منها، وهذا يدل على أنه مبني في منطقة ركامية ولم يكن ينبغي أن يبنى هذا السد في هذا المكان، وأعتقد أن هذه الأسباب دفعت السلطات التركية إلى تخفيض الكميات المختزنة في سد أتاتورك.