فضائح 11 ايلول/سبتمبر الاميركية تتفاعل:
الـ"اف.بي.اي" متهما.. ومفعلا دوره

الادارة الأميركية كان بمقدورها أن تحول دون وقوع تفجيرات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر. وقائع عديدة تؤيد ذلك وتحقيقات عديدة تبحث عن المزيد من الوقائع، والتداعيات الخطرة قد تتجاوز التنافس الإنتخابي إلى دمار أكبر بكثير من دمار برجين توأمين.

 

معرفة مسبقة

"لوأنني علمت بأن العدو سيستخدم الطائرات للقتل، صبيحة الحادي عشر المشؤوم من أيلول/سبتمبر، لكنت فعلت كل ما بوسعي من أجل حماية الشعب الأميركي". بهذه الكلمات العاطفية، دافع الرئيس جورج بوش عن نفسه في محاولة لرد التهم الموجهة اليه بالتقصير في استخدام معلومات وصلت إليه، قبل الهجمات على نيويورك وواشنطن. وبالطريقة نفسها دافعت عنه زوجته لورا بوش بقولها انها تعرف والجميع يعرفون ما فعله الرئيس في أفغانستان وفي الحرب ضد "الإرهاب"، بعد أن شجبت ما يفعله "أناس يتلاعبون بعواطف أسر الضحايا وبعواطف جميع الأميركيين للإيهام بأنه كان من الممكن منع وقوع الهجمات". أما وزير الحرب الأميركي، دونالد رامسفيلد، فقد استخدم طريقة دفاعية مختلفة عندما حاول تبرئة ساحة الرئيس عبر التشديد ـ في الوقت الذي لم تتوقف فيه السلطات الأميركية، في الآونة الأخيرة، عن إصدار بيانات متتالية عن عمليات "إرهابية" وشيكة الوقوع ـ على صعوبة التنبؤ بمثل هذه العمليات لأن الإرهابيين يمكنهم، على حد قوله، أن يضربوا في كل لحظة وكل مكان وأن يستخدموا في ذلك جميع التقنيات.

إلى أي مدى يمكن لمثل هذه الأعذار أن تصمد في وجه الوقائع التي تؤكد أن الرئيس بوش كان قد أعلم، عن طريق تقرير رفعته إليه، في السادس من آب/أغسطس، وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إي)، أي قبل أكثر من شهر على وقوع التفجيرات، بأن عمليات خطف طائرات قد تنفذها منظمة أسامة بن لادن؟ ولا يزداد الموقف إلا حرجاً إذا ما أضفنا إلى التقرير المذكور تقريرين أكثر تفصيلاً رفعا من قبل كولين رولي وكينيث ويليامز، العاملين في مكتبي التحقيقات الفيدرالية الفرعية "اف.بي.اي" في مينوسوتا وفونيكس، وأعلما المكتب المركزي بتحركات لطلاب من الشرق الأوسط في مدارس تعليم قيادة الطائرات في الولايات المتحدة، وبخطط لتفجير طائرات مدنية تحمل شحنات كبيرة من المتفجرات على مبنى "البنتاغون" وبرجي مبنى التجارة العالمي.

انتقادات حادة

وفي حين كانت الإدارة الأميركية منشغلة منذ السادس عشر من أيار/مايو المنصرم، تاريخ الإعلان عن التقرير الذي رفع إلى بوش، بالدفاع عن الرئيس في وجه الانتقادات الحادة التي وجهت إليه من قبل مسؤولين كبار من أمثال ريتشارد غيبهاردت، رئيس الأقلية الديموقراطية في البرلمان، وتوماس داشلي، رئيس الأكثرية الديموقراطية في مجلس الشيوخ، وكذلك أيضاً من قبل جمهوريين مثل السناتور جون ماكين، ممثل ولاية آريزونا في الكونغرس، وريتشارد شيلبي، نائب رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، جاءت تصريحات أدلى بها روبرت مولر، مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي، لتخفف من وطأة الهجمات على الرئيس ولتضع المكتب المذكور في واجهة المسؤولية عن التقصير. فقد اعترف مولر، في التاسع والعشرين من أيار/مايو، بأن أخطاءً قد ارتكبت وحالت دون فتح تحقيقات ربما كان من شأنها أن تؤدي إلى منع وقوع التفجيرات، غير أنه تنصل من المسؤولية عن هذه الأخطاء بدعوى عدم استلامه مهام منصبه، كمدير للمكتب، إلا في الرابع من أيلول/سبتمبر 2001، أي قبل أسبوع واحد من وقوع الهجمات على نيويورك وواشنطن. ولكن مولر وقع في عدد من التناقضات عندما أكد أن التقارير التي رفعت إلى مكتب التحقيقات والبيت الأبيض لم تكن تتضمن معلومات لافتة، أو عندما اعترف بوجود توترات في أجهزة المكتب بين هيئاته القيادية وعناصره العاملة على الأرض، وأن هذه التوترات هي التي حالت دون إجراء التحقيقات، أو حتى عندما نفى أن تكون لأحد المشبوهين في عمليات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر صلة بهذه العمليات، لا لشيء إلا لأن حاسوب ذلك الشخص لم يكن يحتوي على معلومات تدل على تورطه. وقد استدل المراقبون من هذه التناقضات وخصوصاً من التحقيقات التي أجريت بعد التفجيرات والتي أثبتت أن الشخص المذكور كان قد أوقف، منذ السادس عشر من آب/أغسطس 2001، بسبب انتهاء مدة تأشيرته وأن اعتقاله هو الذي حال، بحسب المحققين، دون أن يكون المشارك رقم 20 في عمليات التفجير... استدلوا من ذلك على أن مولر لم يكن مطلعاً على الوقائع، أو لأنه يسعى إلى الدفاع غير المشروع عن مكتب التحقيقات.

عملية واسعة

 ويبدو أن تناقضات مولر هذه، وكذلك تسرب معلومات مفادها أن كولين رولي، كاتبة التقرير الذي رفع من فرع مكتب التحقيقات في مينيابوليس، قد تتعرض لمضايقات منها تخفيض رتبتها قي التدرج الوظيفي، هي التي وفرت المناخ الذي سمح للرئيس بوش بأن يستفيد من وضع مكتب التحقيقات في قلب المعترك الفضائحي حيث انه اعتبر، بعد يوم واحد على تصريحات مولر، أن المكتب لم يعد منسجماً مع عصره وركز لا على تجريمه بالتقصير، بل على مجرد حاجته إلى التغيير عبر إعادة تنظيمه وإصلاحه. وبالفعل،  وعلى الفور، أطلقت عملية واسعة، من قبل وزير العدل جون آشكروفت، لإعادة التنظيم والإصلاح، وكلف روبرت مولر نفسه بالإشراف على هذه العملية التي تشتمل، وفقاً لتصريحات أدلى بها مولر، على تغييرات كبرى في "ثقافة" مكتب التحقيقات حيث سيصار إلى مضاعفة عملائه البالغ عددهم حالياً 700 عميل إلى أربعة أضعاف هذا العدد، من الآن وحتى العام 2004، وتعزيز مركز قيادته ومراكزه الفرعية في المدن الأميركية الرئيسية بعشرات الخبراء المستقدمين من وكالة الاستخبارات المركزية، واستحداث مكتب مركزي لجمع المعلومات تحت إشراف موظف من وكالة الاستخبارات، إضافة إلى اضطلاع أحد أعضاء الوكالة بقيادة عمل مكتب التحقيقات الفيدرالي في مجال "مكافحة الإرهاب". والواضح في عملية الإصلاح هذه أنها محاولة من قبل الإدارة الأميركية للقفز عن تهم التقصير والعودة بذهن المواطن الأميركي إلى أجواء القعقعة الانتصارية التي رفعت من أسهم بوش وإدارته في استطلاعات الرأي، وذلك عبر وضع مكتب التحقيقات تحت إشراف الاستخبارات المركزية التي ينظر إليها كرمز أساسي من رموز قوة الولايات المتحدة. كما تهدف هذه الإصلاحات إلى خلق شروط أفضل لإحكام قبضة الأجهزة وتحقيق الكسب من إشاعة الإنطباع بأن الإدارة الأميركية حريصة على فعل كل ما يمكن فعله من أجل ضمان الأمن للمواطن الأميركي.

صفعة

 غير أن ما يبدو شبيهاً بصفعة مؤلمة لهذا الإنجاز المتمثل بتلميع صورة الإدارة الأميركية وأجهزتها الأمنية بالحظوة التي تتمتع بها وكالة الاستخبارات المركزية، قد وُجّه من قبل نائب رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الجمهوري شيلبي، الذي تحدث في الثالث من حزيران/يونيو الجاري، عن ثغرات ضخمة في عمل وكالة الاستخبارات المركزية بالذات. فقد حصلت الوكالة، بحسب شيلبي، على معلومات عديدة عن اجتماعات شارك فيها عدد من مختطفي طائرات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، وعن اجتماعات على صلة بالهجوم على المدمرة الأميركية "كول" في عدن في تشرين الأول/أكتوبر 2000، كما حصلت أيضاً على معلومات في 23 آب/أغسطس 2001 عن عملية ضخمة تعد لها منظمة القاعدة. وفي كل ذلك، لم تحط وكالة الاستخبارات المركزية كلاً من مكتب التحقيقات الفيدرالي ووزارة الخارجية علماً بهذه المعلومات. كما أكد شيلبي أن وقائع تثبت ذلك سيكشف عنها قريباً، وبأن ما كشف عنه مؤخراً على مستوى مكتب التحقيقات الفيدرالي سيظهر مجدداَ على مستوى وكالات أخرى منها، إضافة إلى وكالة الاستخبارات المركزية، وكالة الأمن القومي (إن.إس.آي).

ومع تصريحات شيلبي المعروف بانتقاداته الشديدة لمدير الاستخبارات الخارجية جورج تينت، يصبح القول ممكناً بأن الأجهزة الأمنية الأميركية كلها قد أصبحت في قفص الاتهام بالإضافة إلى رؤوس الإدارة الأميركية، وفي مقدمتهم الرئيس جورج بوش نفسه. وإذا كان من الصحيح أن الديموقراطيين يبدون اهتماماً أكيداً بفتح تحقيقات إضافية حول المعلومات التي وصلت إلى الأجهزة الأمنية بخصوص التفجيرات قبل وقوعها وعما فعلته بتلك المعلومات، وذلك لأسباب تتعلق بالتعبئة لحملة الانتخابات التشريعية المقبلة حيث سيكون التنافس حاداً بين الحزبين الجمهوري والديموقراطي اللذين يتقاسمان الأكثرية حالياً بفارق صوت واحد في مجلسي النواب والشيوخ، فإن جمهوريين بارزين يهمهم أيضاً إلقاء الضوء على الوقائع بالقدر نفسه الذي يهم السيناتور الديموقراطي، باتريك لايهي، رئيس اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ، الذي وجه إنذاراً إلى وزير العدل وإلى روبرت مولر بوجوب حل المشكلة المطروحة حول تقريري فونيكس ومينيابوليس بأسرع وقت ممكن. والأكيد أن الحل المطلوب لن يكون ممكناً إلا عبر تحقيقات تكشف عن المزيد من التقصير، وذلك شأن العديد من التحقيقات التي فتحت مؤخراً حول عمل أجهزة الشرطة والاستخبارات خلال الأشهر التي سبقت عمليات نيويورك وواشنطن.

وفي ما يتعلق بالتحقيقات أيضاً، فإن رئيسي لجنتي الاستخبارات في مجلسي النواب والشيوخ، الديموقراطي روبرت غراهام والجمهوري بورتر غوس، قررا إنشاء لجنة تحقيق مشتركة تعمل سراً للكشف عن ملابسات ما حدث. ومن جهة أخرى، فإن المفتش العام لوزارة العدل الذي يشرف، في الوقت نفسه، على عمل مكتب التحقيقات الفيدرالي، قد قام هو الآخر بفتح تحقيق خاص.

وهكذا تكون الإدارة الأميركية وأجهزتها قد وقعت في مطب صعب ومن شأنه أن يزداد صعوبة مع ظهور وقائع ومعطيات جديدة قد لا يكون من الغريب أن تتجه نحو إدانة بوش ومعاونيه بعدم العمل، عن قصد، لتطويق التفجيرات. على فرض ذلك، يصبح من الممكن إطلاق فرضيات كثيرة حول خفايا التفجيرات بما شكلت بداية لحقبة جديدة تتطلب عملاً نوعياً يخدم الحاجة لشن الحرب العالمية الثالثة التي أطلقت تحت عنوان "الحرب على الإرهاب". كما ان الروائح الفضائحية التي بدأت تفوح من أحداث الحادي عشر من أيلول قد يكون لها فعل أسلحة التدمير الشامل في انقلاب السحر على الساحر.

د.عقيل الشيخ حسين