|
|||
|
ربما لم تكن معركة الانتخابات الفرعية في المتن الأكثر حماوة في تاريخ المعارك الانتخابية، ولكنها كانت ـ باعتراف الكثيرين ـ المعركة التي حبست الأنفاس على مدى 48 ساعة، ووضعت البلاد كلها في عنق الزجاجة، خصوصاً بعدما لجأت المعارضة الى إشاعة جو مفاده أن البديل الجاهز عن عدم إعلان فوز مرشحها هو كل الاحتمالات الأسوأ، بما فيها النزول الى الشارع والعصيان واستقالة النواب المحسوبين عليها بالجملة. أما وقد بادرت الدولة ولو متأخرة بعض الشيء الى إعلان غير مكتمل لفوز المرشح غبريال المر، بعد أخذ ورد وتأويلات وتأويلات مضادة، فإن الكثير من المراقبين اندفعوا الى البحث بعمق عن إجابات لسلسلة طويلة من الأسئلة، علّهم بذلك يرسمون صورة مشهد سياسي متكامل العنصر والألوان، يلقي الضوء على خلفيات الحدث المتني الذي لن تُطوى تداعياته قبل فترة طويلة، وما يمكن أن يبنى على نتائجه.. رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط كان أول المبادرين الى إطلاق مجموعة شكوك حيال ما حدث عندما قال ما معناه "ان المعركة كانت بشعار انتخابي، ولكن بأهداف لها ما بعد الانتخابات". وكان واضحاً ان جنبلاط إنما ينطق صراحة بما يضمره العديد من السياسيين، من الذين واكبوا عن كثب تفاصيل المعركة، وبالتحديد طريقة إدارة المعارضة المسيحية لها. فقبل أقل من مرور أسبوع على خلو المقعد الأرثوذكسي في المتن بوفاة النائب ألبير مخيبر، كان النائب نسيب لحود والرئيس الأسبق أمين الجميل يفاجئان الجميع بما في ذلك تيار المعارضة نفسه، وهما يضعان في وسطهما السيد غبريال المر ليعلنا أنه مرشح المعارضة لهذا المنصب. يومها ثارت جملة تساؤلات داخل المعارضة المتمثلة بـ"لقاء قرنة شهوان" وفي كل الأوساط السياسية عن أبعاد هذا الاستعجال في فرض اسم مرشح من دون الرجوع الى المعارضة نفسها، ومن دون الأخذ بالاعتبار رأي تيار عائلة مخيبر. وبالطبع لم تفلح حينها كل الاتصالات واللقاءات المكثفة التي جرت في أكثر من مكان في الوصول الى مرشح توافقي، برغم ما أشيع وأذيع عن رغبة لدى البطريركية المارونية في تسمية غسان مخيبر مرشحاً وحيداً للمعارضة، وما أعلنه وزير الداخلية إلياس المر عن قبوله بهذا العرض. والمعارضة نفسها التي شاءت أن تكون المعركة معركة "كسر عظم" وتصفية حسابات، قطعت الطريق على عضو "لقاء قرنة شهوان" جبران تويني، عندما أعلن ترشيحه على أساس أن يكون مرشح توافق، وخاضت ضده معركة إعلامية وسياسية شرسة آثر بعدها الانكفاء والانسحاب.
عشية موعد الانتخابات وهكذا تبدى واضحاً أن ثمة توجهاً عارماً في المعارضة يريد حصول المعركة حتى النهاية، وبالتالي فهو مستعد كل الاستعداد لتعطيل كل المحاولات المبذولة لحصول دون ذلك. ولعل البوادر الجلية لذلك كانت اختيار غبريال المر ذاته والإصرار عليه ليكون الواجهة أو رأس الحربة لمواجهة عائلته، علماً بأن الرجل حديث عهد بالمعارضة بعدما خرج من حلفه القديم مع شقيقه ميشال المر، على قاعدة قيل انها تنطلق من خلافات عائلية. والميزة الثانية له أنه يمتلك محطة تلفزيونية تلعب بطبيعة الحال دوراً أساسياً في الحشد والتعبئة، في وقت لا يمتلك فيه المنافس والخصم مثل هذه الأداة الدعائية. ولأن تصفية الحسابات وأخذ الثأر العائلي سواء بين غبريال المر وشقيقه أو بين النائب لحود من جهة وابن عمه والنائب ميشال المر من جهة أخرى لا تكفي لخوض معركة انتخابات، لذا كان من الضرورة البحث عن عناوين وشعارات أخرى علنية ومضمرة. وهكذا استحضرت ساحة المعركة أدوات وشعارات جديدة كان في مقدمها أجواء الحشد الطائفي والمذهبي، وشعار "استرداد القرار المتني" وما يضمره هذا الشعار من عناصر معروفة. والمفاجئ كان استعادة ظل العماد ميشال عون وإقناعه بقدرة قادر على الخروج عن مقاطعته المزمنة للانتخابات النيابية، انطلاقاً من مقولته الشهيرة بأنه لا يعترف بكل النظام المبني على أساس اتفاق الطائف. وبمعنى آخر استحضرت الى الساحة كل العصبيات والشعارات والحساسيات والحسابات، وصورت المعارضة المعركة بأنها معركة مع النظام والعهد، خصوصاً بعدما جمعت المعارضات وأزيلت التناقضات والتعارضات من بين صفوفها. ورب قائل ان الأمر حتى مع هذه الصورة، هو طبيعي، ومن حق الداخل الى مثل هذه المعركة أن يستخدم كل أسلحته ويستعمل كل الوسائل المتاحة أمامه، ليحقق النصر الذي يبغيه ويستفيد بطبيعة الحال من أخطاء خصمه وثغرات أدائه السياسي وغير السياسي أينما وُجدت. ولكن المفارقة في ذلك كله أن المعارضة قبل موعد المعركة وفي يومها استخدمت الشعارات عينها، وتوسلت الآلية نفسها والأسلوب ذاته الذي كانت هذه المعارضة تتحفظ عليه وتجعله مادة انتقاداتها للحكم وللحكومة وللقوى السياسية الأخرى، فبرغم اعتراضها جهاراً على مسألة أن النواب المسيحيين في مناطق عدة تنتخبهم الأكثرية العددية في هذه المناطق، عادت لتطلق في معركة المتن الأخيرة شعار "استرداد القرار المتني"، وهو شعار يستبطن معنى آخر جوهره أن المطلوب استبعاد الزعامة الأرثوذكسية عن الواجهة وإفلات قبضتها عن المنطقة، وهي ذات أغلبية من لون طائفي معين. والمعارضة عينها التي جعلت محور خطابها الدائم الاعتراض على ما تسميه تصرف المقاومة في الجنوب وحدها بأوضاع البلاد الأمنية والسياسية والاقتصادية، ضربت بعرض الحائط هذه المقولة عندما هددت بالعصيان والتمرد والنزول الى الشارع وتفجير أزمة سياسية في كل البلد إذا لم تبادر وزارة الداخلية الى إعلان فوز مرشحها، وهي بتصرفها هذا تمارس نوعاً من الابتزاز و"الإرهاب" السياسي غير عابئة بكل المعادلة السياسية القائمة في البلاد، بما فيها مؤسسات الدولة. وثمة كثيرون يرون أن سمة "الابتزاز والإرهاب" هذه مارستها المعارضة منذ بداية المعركة وفي موعدها، فمرشحها بادر كما هو معلوم الى إعلان فوزه على منافسه بفارق نحو ألفي صوت حتى قبل صدور النتيجة رسمياً وقبل انتهاء عملية فرز الأصوات في سرايا الجديدة، وابتدأ بتقبل التهاني على هذا الأساس. وبعد أكثر من خمس ساعات على هذا الإعلان بادر النائب نسيب لحود الى دخول السرايا وإعلان فوز المرشح المر بفارق ثلاثة أصوات فقط، قبل أن تعلن النتيجة رسمياً. وهي (أي المعارضة) في كل الأحوال كانت تهدد بالويل والثبور وعظائم الأمور حتى قبل انتهاء الانتخابات وإقفال صناديق الاقتراع، عدا عن "الابتزاز" الذي مارسه تلفزيون المعارضة خلافاً للقوانين المرعية الإجراء في ميدان الإعلام المرئي والمسموع.. والأسوأ من ذلك كله كان استخدام هذه المحطة عينها صور المجنسين بشكل تحقيري عبر تركيز الكاميرات عليهم. ومناخ الابتزاز الذي خلفته المعارضة وأجادت اللعب به بكل جدارة هو الذي دفع بطبيعة الحال إحدى محطات التلفزة (المؤسسة اللبنانية للإرسال ال. بي. سي)، الى إطلاق التساؤل في مستهل إحدى نشراتها الأخبارية وتحديداً في اليوم الثاني على العملية الانتخابية، حول من يحكم منطقة المتن، الدولة ورئيسها أم النائب نسيب لحود، ففتحت الباب بذلك أمام الكثير من التأويلات والتفسيرات.. قد يضع البعض هذا المناخ المشحون الذي أوجده أداء المعارضة في خانة "الشطارة" السياسية وحسن الأداء والاستخدام المباح لكل الأوراق والشعارات، ولكن ذلك لا يعفي المعارضة إطلاقاً من شبهة بيّنة مفادها أنها لم تقدم أداءً حضارياً ووطنياً في وجه الأداء السلطوي الذي ترميه بأشد النعوت والاتهامات، بل بالعكس، عادت في بعض المراحل الى إيقاظ صورة انتخابات العام 1968 و"معارك" الحلف الثلاثي في أذهان الكثيرين، خصوصاً بعدما حصرت نفسها بلون طائفي في اجتماعاتها، وشككت في المؤسسات الدستورية التي كان يمكن الاحتكام إليها. وثمة معلومات تفيد أن في هذه المعارضة التي تجمع بين جنباتها وصفوفها معارضات متعددة، من كان يريد أن لا تصل الأمور الى الخاتمة التي وصلت إليها، لأن ذلك حرمها من فرصة لدفع الأمور الى مناحٍ وجهات أخرى، ما يدل بوضوح على أن الكثيرين لم يكن يهمهم الفوز بمقعد نيابي، بقدر ما كانوا يمنّون النفس بزج البلاد في أتون أزمة سياسية مفتوحة على كل الاحتمالات. وإذا كان الوقت قد مر على التنقيب في ملابسات ما حصل، وفي قنوات الاتصالات التي جرت على مدى يومين لإيجاد حل سياسي، فإن ثمة من ينظر الآن الى ما حدث من منظار الربح والخسارة، ويقيس الأمور بهذا المقياس. وفي حصيلة الأمر فالمعارضة نجحت في هذه المعركة بالمحافظة على موقع هو بالأصل لها، إذ كان يشغله قبل نحو شهر ونصف الشهر كما هو معلوم "شيخ المعارضين" ألبير مخيبر، ومن هذا المنطلق فهي خرجت لا خاسرة ولا رابحة بالمعنى الكامل للربح والخسارة.. أيضاً وبرغم كل ما حشدته في المعركة من أسلحة وشعارات وعصبيات واستنجادها بكل من يمكن الاستنجاد به، فإنها لم تستطع إلا أن تعادل نفسها بقوة النائب ميشال المر، مع فارق بسيط جداً جعلها تحقق نصراً صعباً جداً. ولا شك في أن ثمة من يقول في المعارضة الآن إن هذه بداية لمرحلة لاحقة، ولكن السؤال الذي يطرح هو: أي بداية ولأي مرحلة؟ واستطراداً هل ستستمر "حرب المعارضة" على العهد والدولة وصولاً الى فتح أبواب معركة ضد النظام السياسي؟! واستتباعاً كيف سيتصرف المنتصرون؟ ومن الذي سيدّعي أبوّة هذا الانتصار؟ وهل فعلاً زالت التناقضات وانمحت حدود التعارض والتباين بين هذه المعارضات؟ أسئلة مطروحة برسم الأيام المقبلة، خصوصاً أن هناك في المعارضة من زعم صراحة بأنه يبقى صمام الأمان لكبح جماح المتطرفين، وأنه حقق نصراً سياسياً قبل النصر الانتخابي عندما دفع بمعارضي النظام كله الى الحضور للمرة الأولى الى الميدان السياسي، والانخراط في اللعبة الديمقراطية بعدما كان غير معترف بها، ما يشكل مقدمة لعودة هؤلاء عند اعتكافهم السياسي. بلا شك فما من جهة إلا وترغب في رؤية كل القوى تشارك في الحياة السياسية في البلاد بكل أشكالها وأوجهها، وفي مقدمها الانتخابات النيابية، ولكن ثمة من يراوده فعلاً الريب في أن يكون شعار المطالبة بـ"التوازن السياسي" يخفي هاتيك الأهداف التي تحدث عنها النائب جنبلاط في معرض حديثه عن "الأهداف التي تُخبأ لما بعد انتخابات المتن"، سيما أن للأمر مقدماته ومناخاته، قبل معركة المتن وفي أثنائها وما بعدها بوقت قصير. إبراهيم صالح
|