حيث لا أجوبة لبنانية عن الهواجس الصهيونية:
موفدون أميركيون وأوروبيون جدد الى لبنان ونصائح وتهديدات

 

 لم تخرج الزيارات الأميركية الأخيرة الى لبنان التي ينشط فيها أكثر من موفد عن هدفين رئيسين:

الأول يتمحور حول ضرورة اشتراك لبنان في "المؤتمر الدولي للسلام" حول الشرق الأوسط، الذي تروّج له أميركا وأوروبا على السواء، حيث يُراد للبنان أن ينخرط في المشروع الأميركي الضبابي الجديد بمحفزات أوروبية هذه المرة، خاصة أن لبنان على أبواب توقيع اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي.

وأما الهدف الثاني فهو "تأمين الهدوء على طول الخط الأخضر"، لأن هذا هو ما يظل يُقلق الإدارة الأميركية التي لا تزال تخاف من أن تتواصل عمليات المقاومة الإسلامية ضد قوات الاحتلال وخاصة في مزارع شبعا المحتلة، حيث تحسب حسابات هذه العمليات على المستوى الأمني، وكذلك من زاوية نتائجها السياسية فلسطينياً وعربياً.

ضمن هذا السياق يمكن رصد زيارة نائب وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط وليم بيرنز الى لبنان قبل ثلاثة أيام، حيث شدّد بشكل لافت على أن لا يلعب لبنان دور المشاغب على السياسة الأميركية في المنطقة، وخاصة أن لا يباغت المحتل الصهيوني مجدداً، حيث الحرص الأميركي يتزايد حول ضرورة إراحة كيان العدو في هذه المرحلة بالذات.

بكلمة أخرى ان الولايات المتحدة تريد للبنان في هذه المرحلة أن ينضبط مع ملامح مشروعها القادم الى المنطقة، وإن كانت هذه الملامح لا تزال ضبابية وغائمة وتحت عناوين سبق للبنانيين والعرب أن عاينوها في تجارب مرة سابقة، ويبدو أن معظم المعطيات تشير الى حاجة أميركية ملحّة لتكرار هذه التجارب ولدفع اللبنانيين دفعاً الى الجُحر لكي يُلدغوا منه مرات جديدة.

اللافت في هذا السياق أن الأميركيين يركّزون في هذه الأيام على دور أوروبي يُكمل محطاتهم السياسية المتنقلة، أو على حصان أوروبي يجر العربة الأميركية في المنطقة ولبنان تحت وعود المنّ والسلوى القادمة من المؤتمر الدولي لما يسمى بالسلام، الذي يُراد له أن يملأ الفراغ السياسي في المنطقة وأن لا يخرج عن القواعد المرسومة له سلفاً: مزيد من المؤتمرات، مزيد من التمييع للقضايا العربية والإسلامية، وخاصة القضية الفلسطينية.

وضمن هذا السياق حرصت الإدارة الأميركية على أن تقول للمسؤولين اللبنانيين ـ بالواسطة ومن خلال مبعوث الاتحاد الأوروبي خافيير سولانا ـ حذار من رفض المشاركة أو الإعلان عن إمكانية المشاركة لاحقاً في هذا المؤتمر، لأنكم ستدفعون أثماناً اقتصادية وسياسية لاحقة.

هذه التحذيرات أو هذه النصائح لم تخرج عن التهديدات الأميركية المتواصلة للبنان، التي ترجمت بكلمات علنية وأخرى دبلوماسية، ولم يكن آخرها ما تحدث به بعض المسؤولين والبرلمانيين الأميركيين مع مسؤول لبناني كبير حول كيفية تصوره للوضع في لبنان اذا قام كيان العدو بضرب البنى التحتية اللبنانية كلها، هذا السؤال الذي أراده الأميركيون أن يكون معطوفاً على جملة من التهديدات، والذي كان الجواب عنه حاسماً بأن لبنان سيتحول بعد ذلك كله الى مقاومة، وأن على العدو بعدها أن ينتظر النتائج التي قد لا يُحسب لها حساب، وأنه ليس لدى اللبنانيين ما يخسرونه أكثر وفق قاعدة "أنا الغريق وما خوفي من البلل"، خاصة إذا كانت التهديدات تستبطن إغراقاً اقتصادياً جديداً.

هذا الموقف اللبناني الحاسم لا يزال محل متابعة أميركية على أعلى المستويات، ولا يزال الأميركيون يراهنون على إخضاع لبنان بالترهيب تارة والترغيب أخرى، وقد سمع أحد المسؤولين اللبنانيين خلال زيارته الأخيرة للولايات المتحدة نصائح أميركية اقتصادية من خلال مسؤولين في البنك الدولي حول ضرورة المباشرة باتخاذ قرارات اقتصادية "مؤلمة".. لأن الأميركيين يراهنون على ضرورة تحريك الشعور الاقتصادي الضاغط على الذهنية السياسية الرسمية اللبنانية، وكذلك على الموقف الشعبي اللبناني الرافض للخضوع لهذه اللعبة وآثارها الإسرائيلية المرسومة سلفاً.

بقيت الإشارة الى أن العدو غالباً ما يرسم أفق الزيارات الأميركية للبنان حتى على مستوى المواضيع المثارة من خلال تقديم مادة سياسية دعائية لها، حيث تزامن حديث مسؤولي الاستخبارات الصهاينة عن انفجار كبير تحضر له المقاومة الإسلامية ضد الجيش الصهيوني مع زيارة "بيرنز" للبنان، ليعود الحديث عن عمل المقاومة وسلاحها، ولإعادة البحث الأميركي حول أجوبة لبنانية عن الهواجس الصهيوني..

هاني عبد الله