|
|
|
حسين رّحال ربما اعتقد بعض من واجه الامام الخميني (قده) ان رحيله سيسدل الستار ليس على جسده فقط، بل أيضاً على الروح التي بعثها في الأمة، وكانت أكثر تألقاً في انتصار الثورة عام 1979 ثم صمودها بوجه كل الحروب الخفية أو العلنية التي خيضت ضدها.
لكن بعد ثلاثة عشر عاماً تبدو المراهنات في غير محلها، وتبدو روح الامام وأفكاره أكثر قدرة على التعبير عما يجول في خاطر الأمة الاسلامية وعن طموحاتها وهواجسها. فالثورة التي أصبحت دولة تقوم بتجديد نفسها من الداخل مع كل تحدٍّ ومرحلة ضمن الضوابط التي رسمها الامام برغم الضغوط والتهديدات وبرامج التقويض والدعاية والحرب النفسية والحصار الاقتصادي والحروب الباردة او الساخنة التي تحاول تطويقها على مدى 24 ساعة في اليوم الواحد. عداء اميركا ـ المؤسسة الحاكمة لشعوب العالم ـ بات بعد هذه السنوات أكثر انكشافاً، فالرؤية الثاقبة التي اطلقها منذ ستينيات القرن العشرين عن كون كل مصائبنا تأتي من اميركا هي التي تثبتت في النهاية. كان البعض حتى من الاسلاميين يجد في اميركا شريكاً او حليفاً ضد الالحاد، لكن الامام الخميني كان يرى خطر اميركا أكبر، وإذ بهذا البعض ينقلب من حليف سلاح الى عدو لاميركا بعدما اكتشف ما سبق ورآه الامام قبل عشرات السنين. اميركا اليوم برغم كل هيمنتها واستفرادها ما زالت تخشى عباءة الامام وصورته ونبرات صوته التي تهز عروش الطواغيت، وجفونه التي ترفض ان تغمض بوجه ناهبي المستضعفين. اميركا اليوم تجد في كل مسلم عدواً لها وفي كل مستضعف خطراً يتهددها، هي اليوم أكثر غطرسة لكنها أكثر انكشافاً حتى أمام أقرب القريبين. أما الكيان الاسرائيلي فالزلزال الذي أصابه يوم انتصرت الثورة ما زال يتجلجل صداه، وإذا كان اجتياح لبنان عام 1982 يهدف الى تحصين الكيان بضم حلفاء جدد على الحدود فإن روح الامام واستشهادييه هم الذين هزموا الاجتياح وقلبوه هزيمة وذلاً، وكأن كل مقاوم في الجنوب يحمل مع البندقية صوت الامام وصورته ووصيته الخالدة. يوم أعطى الامام فتواه بقتال "اسرائيل" الغاصبة كان البعض يفتش عن عذر للاستسلام وعن فتوى تريح كسله وجبنه، ينفي بها كبرياء الامة ويستقبل بها العصر الاسرائيلي الذي جاء برئيسي جمهورية. لكن فتوى الامام في لحظة ظن البعض انها انكسار كانت الشرارة التي ألهبت ظلام الانهزام وحولته مارداً أصفر يلون الجنوب وجدران العرب وعواصم المسلمين بعلم النصر الالهي البراق. هكذا تحول الاستشهاد الى قوة ظنها البعض "انتحاراً" ورفعها الامام الى درجة القداسة: نصر او شهادة، وإذ برؤية الامام تسابق كل التوقعات فتصبح فلسطين مرة جديدة محوراً للصراع ورمزاً لثنائية واضحة، من مع فلسطين ومن مع "اسرائيل". قبل الامام كانت المجزرة نكسة فهجرة فلجوءاً، بعد الامام المجزرة تصنع استشهاديين، الدم ينتصر على الجلاد، بعد الامام تتعملق جنين وتهدم السور الواقي في حيفا ونتانيا و"مجدو". الامام رأى الانتصار بصفاء روحه قبل ان يتحقق، ورأى هزيمة الصهاينة في فلسطين بثاقب بصيرته هو والأمل والانتصار والشهادة وحده لا يفرقها موت أو زمان. |