ملك الموت القادم

من المفترض بعد عملية "مجدو" الاستشهادية ان تسحب من القاموس السياسي والامني فكرة القضاء على المقاومة الفلسطينية، وأن يكف المحللون عن الاستجابة لادوات الدعاية الاسرائيلية والاميركية التي شُغلها الشاغل ترويج مثل هذه المقولات ضمن الحرب النفسية التي تقوم من ناحية على "تبشير" المجتمع الاسرائيلي بقرب خلاصه من هذا الكابوس المرعب، ومن ناحية ثانية على تثبيط عزائم الفلسطينيين ومن يدعمهم من العرب والمسلمين والاجانب، عبر ضرب موعد جديد يعلن كل مرة انتهاء المقاومة وسقوطها.

 القناعة باستحالة القضاء على المقاومة باتت راسخة لدى الاسرائيليين الذين لم يعد يساورهم الشك في ان ملك الموت سيبقى يحوم فوقهم حتى احقاق الحق، وبالتالي استحضروا لغة تتناسب مع هذا الواقع الذي لا مفر منه. ومن مفردات هذه اللغة التي سيسمعونها يوميا اضافة الى ارقام القتلى والجرحى والمصدومين، ان "الشرطة اعلنت حالة التأهب القصوى تحسبا لوقوع عمليات أخرى"، "وأنه تبين لدى اجهزة الاستخبارات ان منفذ العملية الفلانية من المنطقة الفلانية، وأنه نفذها بالكيفية التالية"، ثم الاستغراق في تحليل اهمية الزمان والمكان والطريقة، على غرار ما حصل في عملية مجدو حيث اعتقد " ضابط رفيع المستوى من الشرطة الإسرائيلية (سيطل هذا الضابط بصورة مكثفة من الان فصاعدا لتقديم تبريرات العجز الاسرائيلي) أن "اختيار المكان لم يكن صدفة. فموقع العملية قريب من سجن مجيدو والسجناء الأمنيون يستطيعون رؤية ما يجري .. لقد اختاروا هذا المكان بالذات ليقولوا لزملائهم: نحن معكم. كما أن موعد تنفيذه اليوم ليس بالصدفة لأن هذا اليوم (5/6) بدأت فيه حرب الأيام الستة عام 67". كما انها "نفذت في توقيت متزامن مع مهمة جورج تينيت رئيس المخابرات الاميركية".

ثم سيستغرق الاسرائيليون في التفاصيل التي سيرويها شهود عيان عن "باص تلتهمه النيران. وانفجار قوي.. وعشرات الجرحى والعديد من الجثث الملقاة..وخيم صمت رهيب في المكان.." الى ما هنالك من وقائع يتحضر الصهاينة مسبقا للتعرض لها لاحقا. وسيتسلون ايضا بالبيان التقليدي الجاهز في ديوان رئيس الحكومة والذي يعدل فيه الزمان والمكان فقط ويصلح لكل العمليات من حيث "توعد المخربين والارهابيين بالرد القاسي والمؤلم"، "وتحميل السلطة ورئيسها عرفات المسؤولية"، وفي الوقت نفسه سيسمعون ادانة من الحلفاء ونفيا من القيادة الفلسطينية "انه لا صلة لها ولا علم لديها او لاي من اجهزتها بهذه العملية".

ربما سيطور الصهاينة من كيفية تعاطيهم مع هذا الواقع بأن يفترضوا مسبقا المناسبات الخاصة بالفلسطينين التي يمكن ان ينفذوا فيها عمليات، مستحضرين تجربتهم مع حزب الله في لبنان، فيحتاطون ويضمون مناسبات الفصائل المقاومة الى مناسباتهم وأعيادهم هم فيصبح المجموع بعدد ايام السنة فيبقون 24 ساعة على 24 مستنفرين كما هم اليوم بانتظار ملك الموت القادم.

عبد الحسين شبيب