الأنفاق بين غزة ومصر:
معابر عسكرية واقتصادية

رفح ـ صالح محفوظ

  تشكل الأنفاق المقامة تحت الأرض عند الحدود المصرية ـ الفلسطينية شبكة الوصل بين الاراضي الفلسطينية والعالم الخارجي، ويعتبرها الفلسطينيون بمثابة معابر لديهم نظراً لعدم وجود معابر يسيطرون عليها، وهي تؤدي المهمة نفسها لكن من دون جواز او نقطة عبور اسرائيلية. ويتحكم رأس المال في إنشاء وتسيير عمل هذه الانفاق التي أصبحت تخدم المقاومين من الفصائل كافة في تهريب السلاح والذخيرة.

  لم يعد الحديث عن شبكة الأنفاق الرابطة بين الأراضي الفلسطينية والمصرية سراً، فعلى مدى الأيام الأخيرة أُعلن عن اكتشاف عدد كبير من الأنفاق وردمها، آخرها ما ذكره العدو الثلاثاء الماضي عن اكتشاف نفق جديد في المنطقة ذاتها واعتقال ثلاثة فلسطينيين.

 وقد أصبحت المعادلة معروفة: "بلدوزرات" تتوغل فجراً في محيط الشريط الحدودي وتهدم وتجرف، وفي المساء يخرج ناطق عسكري ليعلن عن اكتشاف نفق جديد.

تقنيات متعددة

ولكن كيف يبدو النفق فعلاً؟ تقول مصادر فلسطينية مطلعة ان عمقه يبلغ 5.4 أمتار، ومُجهَّز بخط هاتفي وآخر كهربائي، وطول النفق يتراوح في العادة بين 300 و1000 متر، إذ كلما كانت المسافة أطول كانت فرص كشفه أقل.. أما اتساع فتحة النفق فتُحدد حسب الاحتياجات والاستخدامات المتوقعة، وكثيراً ما تكون 90 سم أفقياً و100 أو 150 سم عمودياً. وحسب النفق وما خطط لاستعماله فإنه يُجهز بما يساعد على تسهيل المهمة من إضاءة إلى تركيب سكك حديدية تعمل عليها آلية متحركة بالاتجاهين لسرعة النقل ولتجنب دخول الأفراد عبر النفق.

 

 وقد هدمت قوات الاحتلال منذ بدء انتفاضة الأقصى مئات المنازل على الشريط الحدودي بين رفح الفلسطينية والأخرى المصرية الذي يمتد نحو تسعة كيلو مترات، وذلك إما بحجة استخدامها كسواتر لإطلاق النار وإما بحجة تفجير وردم نفق مزعوم.

تاريخ

وتعود حكاية الفلسطينيين مع الأنفاق إلى سنوات عديدة، حيث تمكنت العديد من العائلات التي تسكن بمحاذاة الشريط الحدودي وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود من إقامة عدد كبير من الأنفاق والدهاليز عبر الأرض وصولاً إلى عمق الأراضي المصرية، واستخدمت هذه الأنفاق لأغراض متعددة تتعلق بالتهريب بكل أشكاله.

ويحرص أصحاب الأنفاق على توفير غطاء من السرية والكتمان لتجنب تسرب أي معلومات الى الاسرائيليين أو عملائهم عن هذا النفق أو ذاك، غير أنهم يبنون علاقات قوية مع التنظيمات والفصائل المقاومة للتعاون معها في تهريب السلاح. وهذه نقطة لم تعد سراً والاعلام الاسرائيلي يرددها باستمرار.

قلق صهيوني

ويقول الإسرائيليون إن قطاع غزة أصبح مخزناً كبيراً للسلاح بسبب هذه الأنفاق، وربما كان ذلك أحد الأسباب التي أجبرت الجيش الإسرائيلي على إعادة النظر في العملية الواسعة التي كان ينوي القيام بها ضد القطاع. والشهر الماضي كتب المحلل الإسرائيلي في صحيفة "يديعوت أحرونوت" "أليكس فيشمان" في مقال نشر على موقع الصحيفة على الانترنت: إن المشكلة المركزية في جنوبي القطاع تكمن في الأنفاق الممتدة من مصر، التي تُهرب عبرها الوسائل القتالية إلى القطاع كله. معتبراً أن هذا هو المسار الأساسي الذي حول غزة إلى مخزن أسلحة كبير.

وحسب فيشمان فإن هذه الانفاق تشكل مصدراً اقتصادياً ضخماً، ذلك أن العائلات المسيطرة على هذه الأنفاق تقوم بتأجيرها لما أسماها الجهات "الارهابية" أو المؤسساتية أو تنظيمات المعارضة بمبالغ ضخمة، تصل كلفة استئجار أحد هذه الأنفاق مدة 20 يوماً إلى 50 ألف دولار.

ويرى فيشمان أنه لا يُتنازل عن مصلحة تجارية كهذه بكل بساطة، لذلك ما ان يُهدم نفق حتى يكون بديل آخر قد جُهز.. مشيراً إلى أن المعلومات المتوافرة لدى السلطات الإسرائيلية تتحدث عن 19 نفقاً في القطاع.

كرّ وفرّ

 ويسعى العدو جاهداً لتدمير هذه الأنفاق، وقد تحدثت الصحف الإسرائيلية عن ردم ثمانية أنفاق منذ مطلع أيار/مايو الماضي، فيما تكررت الاعلانات عن اكتشاف أنفاق أخرى في أوقات سابقة.

وفي محاولة لقطع السبيل أمام حفر وترميم الأنفاق، قامت قوات الاحتلال بحفر أخدود بعمق ستة أمتار على امتداد الشريط الحدودي، غير أن ذلك لم يجد نفعاً،  لذلك بدأ التفكير الإسرائيلي بخطة جديدة لتدمير الأنفاق، تشمل غرز عوارض فولاذية بشكل مكتظ على عمق 20 متراً لعرقلة عمليات الحفر، على اعتبار أن عمق الأنفاق يصل إلى قرابة 10 أمتار فقط.

ويؤكد الفلسطينيون أنه لا توجد قوة في الأرض تمنع استمرار العمل في الأنفاق، فهي من جهة تشكل مصدر رزق لعشرات العائلات، ومن جهة ثانية هي منفذ قطاع غزة الى العالم الخارجي في زمن الحصار والإغلاق، ومن خلالها تدخل الأسلحة والإمكانات التي تعمل بها المقاومة.

تبادل تجاري

 وتقول المصادر الإسرائيلية إن نشاطات تجارية ضخمة تجري تحت الأرض لا تقل في حجمها عن النشاطات الجارية فوق الأرض على المعابر الرسمية، حيث يعتقد أن الفلسطينيين بالتعاون مع شركاء في الجانب الآخر من الحدود يقومون بعقد صفقات بالملايين في كل شئ، بما في ذلك السلاح والسجائر أيضاً.

ويستفيد التجار في واقع الأمر من انخفاض الأسعار في الجانب الآخر وغلائها في الأراضي الفلسطينية، فإذا كانت قطعة سلاح الكلاشينكوف الروسية التي يستخدمها أغلب المقاومين الفلسطينيين تباع بـ300 دولار في الأسواق المصرية السوداء، فإن سعرها يقفز إلى ثلاثة آلاف في الأراضي الفلسطينية. وكذا الحال بالنسبة الى أنواع عديدة من الأسلحة والسلع الأخرى.

هكذا يؤكد الفلسطينيون مرة أخرى قدرتهم على ابتكار أساليب جديدة للحياة تتجاوز الحصار المحكم الذي يفرضه الاحتلال عليهم من البر والبحر والجو، فيلجأون الى باطن الأرض حيث مخزن الأسرار.