جدار الفصل: امتصاص الغضب الاسرائيلي بعد فشل "السور الواقي"

 

فشل عدوان "السور الواقي" وعجز الأجهزة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية في الحؤول دون تنفيذ المقاومة الفلسطينية لعملياتها الجهادية في العمق الفلسطيني، أعاد إلى كيان العدو وتحديداً إلى السجال السياسي فيه، ما سُمِّي بخطة الفصل مع الفلسطينيين، وهي خطة بقيت مكوّناتها ضبابية وغير واضحة المعالم إلى الآن.

 

كانت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية قد عرضت في نهاية الأسبوع الماضي خارطة للفصل تتضمن اقتطاع مناطق واسعة من مساحة الضفة الغربية ومن ضمنها أراضٍ من مناطق (أ) الخاضعة للسلطة الأمنية الفلسطينية، تحقيقاً لمنطقة أمنية شبيهة بمنطقة الشريط الحدودي السابق في لبنان، إلا أن آرييل شارون وبضغط من الشارع الإسرائيلي وبعض وزراء حكومته وتحديداً وزير الحرب بنيامين بن أليعازر، اضطر إلى الموافقة على إقامة جدار فصل يتمثل بفصل الأراضي المحتلة عام 1948 عن الأراضي المحتلة عام 1967.

وبحسب الأنباء المنشورة في الإعلام الإسرائيلي، فإن شارون صادق على جدار الفصل بعد إجراء تعديلات مهمة عليه، بحيث يقتصر إقامته على طول 110 كلم متقطعة من قرية سالم إلى الشمال من جنين حتى كفر قاسم في الوسط، وبشكل يَبقى فيه ملاصقاً للخط الأخضر من دون أن يمر بالقدس والمستعمرات اليهودية المضمومة إليها بلدياً، ومن دون المرور بالمنطقة الجنوبية للضفة أساساً، على أن يتخلل هذا الجدار بحسب الطبيعة الجغرافية المقام فيها، موانع مادية وخنادق وأسوجة وأماكن رصد خاصة.. ويُقدَّر لهذا الجدار أن ينجز خلال سنة واحدة من بدء العمل به.

وكان طَرْح الفصل مع الفلسطينيين قد برز إلى السجال السياسي والأمني الاسرائيلي إثر الفشل الذي مُنيت به مسيرة التسوية في محادثات كامب ديفيد وانطلاقة الانتفاضة الفلسطينية في العام 2000. وجاء هذا الطرح على خلفية ما روَّج له اليسار الإسرائيلي الحاكم من عدم وجود شريك للسلام.. وحَفَل الإعلام الإسرائيلي من حينه بمقالات وأبحاث مطوَّلة لشخصيات سياسية وأكاديمية وحتى أمنية، تنادي بالفصل وتُروِّج أمام الرأي العام لأهميته وإيجابيته، إلا أن أياً من هذه الشخصيات على كثرتها، لم يتفق على مكوِّنات هذا الفصل وعلى مضمونه.

ويتجاذب السياسيون والأكاديميون والأمنيون وتبعاً لهم الجمهور الإسرائيلي، أربع إمكانيات للفصل مع الفلسطينيين، تختلف باختلاف درجة اليأس التي تمتلك هؤلاء من الوصول إلى حل سياسي أو أمني للصراع، إضافة إلى الخلفية الأيديولوجية التي يتبنونها لجهة مكمن المصلحة الإسرائيلية في مدى حدود القوة التي يمكن لـ"إسرائيل" أن تستخدمها تجاه التوسع الجغرافي في الضفة الغربية، مع المحافظة على الأمن الشخصي لليهود. والإمكانيات الأربع هي:

 1 ـ فصل أمني يُبقي التقسيمات الجغرافية الحالية قائمة، ويهدف إلى وضع عوائق مادية على طول الخط الأخضر لمنع الفلسطينيين من التسلل وتنفيذ هجمات في أراضي العام 1948.

 2 ـ فصل مادي كامل يتمثل بإبقاء التقسيمات الجغرافية الحالية مع وضع عوائق مادية بين المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية وتلك الخاضعة للسيطرة الفلسطينية، وبالتالي الإبقاء على كل المستوطنات حتى تلك المسماة بالمستوطنات السياسية النائية.

 3 ـ فصل سياسي من طرف واحد، أي أن تتراجع "إسرائيل إلى الحدود الافتراضية للدولة"، التي تتوافق مع الرؤية السياسية والأمنية التي تراها الحكومة مناسبة، على أن تقام العوائق المادية المطلوبة على هذه الحدود منعاً لتسلل المجاهدين الفلسطينيين.

 4 ـ الفصل إلى خط انتقالي يتمثل بالتراجع إلى خط الحدود المتبنى من قبل الحكومة، مع الحفاظ على منطقة فاصلة شبيهة بالشريط الحدودي الذي أقامه الاحتلال الإسرائيلي في لبنان لغاية دحره عنه.

 مصادقة شارون على جدار الفصل كما بادر إليه بنيامين بن أليعيزر، لا يُعبِّر في الواقع عن الرؤية الحقيقية التي يتبناها شارون من الفصل بأنواعه المختلفة، والتي يطرحها رجالات القوس السياسي في الكيان الصهيوني، إذ إنه يرفضها جميعها وهو واصل رفضها طوال الفترة السابقة لتعارضها مع مخططاته التي يعمل على تحقيقها في ما خص الأراضي المحتلة في العام 1967، وتحديداً الضفة الغربية. فهو يهدف ويعمل على تهيئة الظروف الداخلية والخارجية ووضع العراقيل التي تحول دون انطلاقة العملية السياسية حالياً أو مستقبلاً، لتمكينه من إلحاق أو ضم معظم أراضي الضفة والاكتفاء بتقديم إطار سياسي للفلسطينيين ـ يُسمى دولة ـ لا يتعدى في جوهره حكماً ذاتياً وإدارة مدنية على مساحة تزيد قليلاً عن أربعين في المئة من دون وجود ياسر عرفات على رأسها.

ومن هنا، فإن خطوة شارون بالمصادقة على جدار الفصل ـ التي يُقدرون في كيان العدو عدم جديتها ونجاعتها ـ تهدف إلى امتصاص الضغط الممارس عليه من قبل بعض النخب السياسية والأمنية، إضافة إلى الجمهور الإسرائيلي الذي أخذ تعبيره بقوة في جميع استطلاعات الرأي المنشورة، خاصة بعد أن لمس الإسرائيليون عبر استمرار عمليات المقاومة الفلسطينية فشل عدوان "السور الواقي" وزيف الادعاءات التي رافقتها. كما أن شارون يهدف في الوقت نفسه عن طريق إفراغ جدار الفصل من مضمونه بإجرائه التعديلات الواسعة عليه، إلى إرضاء جمهور اليمين الإسرائيلي وخاصة مستوطني الضفة الغربية، الذين يرفضون رفضاً تاماً كل نوع من أنواع الفصل، وبالتالي يُرضي شارون أصحاب الفصل بالجدار الفاصل ويُرضي اليمين بتفريغه من مضمونه.

غسان دبوق