مَن يخدم مَن: بيرنز أم تينت؟
المؤتمر الدولي: خلافات، غموض ومحاولة للهروب

تكثفت مؤخراً الجولات الأوروبية (سولانا)، والأميركية (بيرنز وتينيت) في المنطقة، وذلك تحت عنوانين أساسيين:

 - فكرة المؤتمر الدولي التي سبق لشارون أن اقترحها بصيغة مؤتمر إقليمي، لتتبناها واشنطن لاحقاً وتحولها الى صيغة مؤتمر دولي.

 - إعادة هيكلة أجهزة أمن السلطة الفلسطينية.

ويبدو أن عزم واشنطن على إرسال بيرنز السياسي وتينيت الأمني الى المنطقة، يستهدف الايحاء بجديتها في اعتماد منهج التوازي في العمل، أي السير على رجلين: إحداهما سياسية والأخرى أمنية، بدل الاكتفاء كما في الماضي بالمنظور الواحد، أي المنظور الأمني، على أن يبقى العامل الاقتصادي بمثابة الجزرة أو المكافأة المقطرة على قدر الاستجابة للإملاءات الأميركية - الاسرائيلية.

الا ان كل هذه الاشارات والايحاءات الأميركية بالجدية لا تبدو كافية إن لم تكن مجرد عملية ذر للرماد في العيون لصرف الانتباه عن الأهداف الحقيقية، ذلك ان الادارة الاميركية سبق لها ان ربطت المؤتمر الدولي بإحراز تقدم في الاصلاحات السياسية والأمنية للسلطة الفلسطينية.. وفي هذا الاطار تبدو الخلافات واسعة بين ما تريده واشنطن ـ على الأقل بين ما تعلن أنها تريده لا ما تضمره ـ  وما يريده شارون وما يريده عرفات من جهة، وما يريده الشعب الفلسطيني من جهة أخرى.

فواشنطن تريد إصلاحات تؤسس لفكرة إعلان الدولة وتمهد الطريق الى المفاوضات النهائية. بكلام آخر هي تتبنى ضمناً فكرة اعلان الدولة ضمن الحدود الحالية للسلطة الفلسطينية، على ان تترك بت المسائل النهائية الى المفاوضات.

وهذا الموقف يستدعي في الحقيقة قبولاً فلسطينياً وعربياً وإسرائيلياً، كما يستبطن خدعة قاسية، اذ بمجرد قبول السلطة الفلسطينية بفكرة اعلان الدولة سيرتب عليها حقوقاً وواجبات الدولة، الأمر الذي سيقود تلقائياً الى أن يحسم الجانب الفلسطيني هويته السياسية كدولة بدلاً من البقاء في مساحة التحرك كحركة نضال وتحرر وطني، وهذا ما سيقود بدوره الى التخلي عن السلاح كأداة من أدوات الصراع لاحقاً، مما سيبقي كل المفاوضات اللاحقة حول المسائل النهائية خاضعة لموازين قوى تميل بالمطلق لمصلحة الكيان الاسرائيلي.

أما شارون ولاعتبارات أيديولوجية وسياسية، فهو يرى ان الدولة الفلسطينية ليست موضع نقاش حالي، وبالتالي ليست موضع اعلان، وإنما هي موضوع تفاوض لاحق حول ماهيتها ومضمونها ووظيفتها.. إلخ، والمطلوب حالياً هو حصر النقاش في البحث عن مرحلة انتقالية لا تخضع لسقف زمني واضح، والدخول في مفاوضات سياسية البند الرئيسي فيها العنوان الأمني، ومن ثم العنوان الاقتصادي والاجتماعي.

وأما السلطة الفلسطينية التي تواجه تحديات كبيرة داخلية وخارجية، فلا تستطيع الذهاب الى الدولة الفلسطينية من دون وضوح مسبق لحدودها وسيادتها وعاصمتها.. إلخ، كما لا تستطيع الذهاب الى مفاوضات من دون جدول زمني واضح وأجندة عناوين ومرجعيات واضحة.

من هنا فهي تسعى الى تلمس خطواتها "الاصلاحية" على طريقة تطويع ما هو مطلوب منها وتكييفه من دون ان يقود الى مس جوهر سلطة رئيسها عرفات.

اذاً، الخلاف حول المؤتمر الدولي بين هذه الأطراف الثلاثة ليس سهلاً، فهو خلاف يطاول مسائل أساسية وجوهرية من الصعوبة تذليلها في مدى زمني قصير.

يضاف اليها المحاولات الاميركية لوضع وظيفة سياسية للمؤتمر الدولي أقل بكثير مما يمكن ان يقبل به أطراف عرب أساسيون كسوريا ولبنان. فواشنطن تريد ان يشكل هذا المؤتمر نافذة للهروب من اطار مدريد وما نتج عنه من نتائج، وهذا ما ينسجم تماماً مع مساعي شارون الهادفة أساساً الى طي صفحة مدريد نهائياً، الأمر الذي يفسر الرفض السوري واللبناني لفكرة المؤتمر الدولي.

كما تعمل واشنطن على حصر وظيفة المؤتمر السياسية كإطار هاضم لمختلف المبادرات والمقترحات والقرارات السياسية الخاصة بالتسوية، في محاولة للخروج منها بصيغة جديدة تكون على هيئة وصيغة موازين القوى الدولية والاقليمية التي نشأت عقب حدث الحادي عشر من أيلول وتداعياته، وكذلك عقب عملية "السور الواقي" الأخيرة ضد الشعب الفلسطيني.

إزاء هذه الوقائع، هل تغدو الجهود الاميركية ضرباً من ضروب ممارسة العبق السياسي، أم أنها مجرد عمل تكتيكي تستهدف منه احتواء المناخات المتفجرة في المنطقة والمشاعر المناوئة لها، وإعطاء العرب ما يمكن ان يشغلهم بانتظار انتهائها من تحضير المرحلة الثانية من حربها على ما تسميه الارهاب، منظمات وقوى واتجاهات ودولاً.. أم أنها بذريعة استحالة التوصل الى توافق في هذه المرحلة، تريد من العنوان السياسي ان يكون مجرد الستارة لاهتمامها الأساسي الذي هو العنوان الأمني، وبالتالي فإن مهمة تينيت هي الأصل، بينما مهمة بيرينز لا تعدو أكثر من مناورة ومحاولة لذر الرماد في العيون، ولإعطاء من يجب إعطاؤه المبرر للاستجابة للمطالب الأمنية الاميركية والاسرائيلية معاً، والمتمثلة بوقف الانتفاضة عموماً والعمليات الاستشهادية تحديداً.

الكباش مستمر، والمبادرة كما التحركات بدورها ستستمر، لا سيما خلال الأشهر القادمة باعتبارها أشهر انتظار، ستنكشف بعدها الكثير من الأمور.