في الاجتهاد السياسي للإمام الخميني (قده)

 

د.طراد حمادة

يسعى العقل الإنساني الى ربط الأحداث التاريخية بالمفاهيم الكليّة بحيث تظهر هذه الأحداث وكأنها صادرة عن حركة العقل نفسه، ومتفقة معه في حركته من الإدراك الحسي، الى الروح المتيقن. ونحن لو تأملنا في الانتصار الذي تحقق في لبنان على العدو الصهيوني والاستكبار العالمي لتبين الدور الإلهي في هذا الانتصار، ذلك الدور الذي ينسب تارةً باسم العقل وأخرى باسم الإيمان والقيم الروحية. وفي جميع الأحوال، فإننا متيقنون، أن النصر من عند الله سبحانه، وأن له طرقاً عديدة بعدد جهات فضائله وسعة رحمته ومدده، وأن هذا الأمر إنما يحصل في هذا العالم، بقيادة إمام العصر والزمان (عج).

هذا الإيمان الثابت والمؤيد بصحة العقيدة، في الإمام الحجة (عج) والدور المناط به في تدبير شؤون هذا العالم والسير بالخلق في حركة متصاعدة من الظلم والجور الى القسط والعدل، هو سير إيجابي، تقدمي تصاعدي، يظهر حقيقة واقعية مفادها، أن السير باتجاه مركز الإمام (عج) تتجلى أبعاده في تقدم العقل في قدرته على المعرفة وتقدم التاريخ، في حركة العدل والحرية..

ويكون العقل الإنساني أساساً فاعلاً في جدلية العلاقة بين غياب الإمام وحضوره، بحيث يظهر غيابه كعامل حضور. وعليه فإن الحركة الإسلامية الشيعية المعاصرة هي في الواقع حركة تقودها هذه العلاقة المميزة، بين الإمام والأمة، وأدّت الى اجتهادات في الفقه السياسي ذات أثر كبير عند الشيعة الإمامية كما عند بقية المذاهب الإسلامية، وهي اجتهادات تنطلق من العلاقة بين جدليتين: جدلية الغياب وجدلية الحضور، ليس كجدلية سلبية (ديالكتيك النفي) بقدر ما هي جدلية التكامل، لأن غيابه حضور، فهو غائب ليس بمعنى سلب الحضور عنه بل بمعنى سلب حضوره (غيابه) منا، ولذلك فإن حضوره يشير الى متغيرات هي فينا أصلاً.

إن جذور الانتصار الذي تحقق في لبنان، تعود من الناحية الفلسفية، الى تلك الأيام التي كان فيها الإمام الخميني (قده) عاكفاً على كتابة رسالته في الحكومة الإسلامية وولاية الفقيه، وهذه الرسالة تشكل القاعدة الإبتسمولوجية (المعرفية) للمتغيرات اللاحقة في الحياة السياسية عند المسلمين الشيعة.

إن اجتهاد الإمام الخميني الفقهي، كان تعبيراً معرفياً عن جدلية العلاقة بين الإمام الحجة (عج) والأمة، ووضع هذه الجدلية في سياق الوجود "وفينومينولوجيا الروح".