|
|
|
على
الرغم من صعوبة تلمس المؤثرات الأجنبية في
النقد الأدبي العربي الحديث، فإن ظاهرة
التبعية أكبر من حدود المؤثرات الأجنبية،
لأن المؤثرات الأجنبية صحيّة غالباً. وقد
نُظر باستمرار الى النقد الأدبي العربي
الحديث على أنه نتاج هذه المؤثرات
الأجنبية بالدرجة الاولى، ويلخص مثل هذه
النظرية المستشرق كانترانيو بقوله: "ان
النهضة الحديثة التي يمكن ملاحظتها اليوم
في الثقافة العربية، وبالتالي في وعيها
الأدبي ـ هي أقل منها استمراراً لتراث
عظيم، وأكثر منها نتاجاً للحضارة
الغربية، وهذا ما يود الأدباء العرب ان
يعترفوا به ـ والنظرية الأدبية العربية
الحديثة أيضاً هي تشعب (او نتيجة) عن
النظرية الأوروبية أكثر منها تطويراً
للنظرية التراثية العربية". ولا
يجد كثير من النقاد العرب غضاضة بالاقرار
بمثل هذا الرأي، بل أوردوا أسباباً كثيرة
لذلك، منها التقليل من شأن النقد الادبي
العربي القديم في النظرية النقدية على وجه
العموم، وفي النظرية النقدية الحديثة على
وجه الخصوص. وفي منتصف الستينات تقصّت
سهير القلماوي (مصر) المؤثرات الدامغة حسب
تعبيرها، التي جعلت النقد الأدبي عند
العرب القدامى منصرفاً في معظمه الى
الشروح اللغوية للقطعة المنقودة.. إنه "ميراث
رهيب تكاتفت فيه عوامل وعوامل على تفتيت
القصيدة الى وحدة البيت، وعلى تفتيت البيت
الى وحدة اللفظ، وكان لا بد من صيحة بل
صيحات حتى تخرج القصيدة العربية من أسر
هذا الميراث الدامغ عبر كل هذا التاريخ
الطويل". وبعد حوالى ثلاثة عقود من
الزمن تتردد الآراء نفسها في جهد أكثر
إحكاماً ودقة لشكري محمد عياد (مصر) في
كتابه "المذاهب الأدبية والنقدية عند
العرب والغربيين" (1993). محّص عياد التراث
النقدي بحثاً عن مذاهب، فتوقف عند مصطلحات
"مذهب الأوائل" للآمدي و"الصنعة"
للجاحظ و"المنازع" لحازم القرطاجني،
ولكنه التفت عن ذلك كله الى القول بأن
المذاهب فضفاضة على تلك التجارب الأدبية
والنقدية القديمة، مؤكداً الآراء التالية: -
"ان مناقشاتنا حول المذاهب الأدبية
المعاصرة تعكس موقفاً تاريخياً من ثقافة
الغرب. -
ان اقتباس المذاهب الأدبية الغربية
ملازم لاقتباس الأشكال الأدبية. -
ان المذاهب الأدبية تعكس خصوصية
تاريخية للثقافة العربية". لقد
انتعشت هذه الآراء في مناخ التبعية
الثقافية الذي عززه صراع الأفكار منذ
الخمسينات الى يومنا هذا، وهو صراع بين
دعاة الهوية ودعاة التغريب. ان تشخيص شكري
محمد عياد يقارب الى حد كبير تطور الموقف
العربي من النظرية الأدبية، وإن كنا لا
نوافق على تقديره للتراث النقدي العربي،
فقد بات واضحاً أن هذا التراث غير مكتشف
تماماً وغير مدروس تماماً، ولا يزال
عنصراً غير أساس في تكوين الناقد العربي
الحديث. ثمة
من يعترف بقيمة حيّة ومعاصرة لهذا التراث،
ويتحدث عن إنجازات باقية على الزمن، هي
قيم نقدية تنفع في تحديث النظرية الأدبية
العربية.. حتى ان نقاداً دعوا الى "نظرية
عربية في الأدب" بصريح العبارة، مثل
حسام الخطيب (فلسطين) الذي أسند مقترحاته
المبدئية الى "ثلاث انطلاقات أساسية
تشكل مثلثاً للنظرية التي يمكن تصورها وهي:
الاولى الانطلاق من الواقع الأدبي
المعاصر، والثانية الانطلاق من موقف
تراثي محدد، والثالثة الانطلاق من المناخ
الأدبي العالمي المعاصر". ومن الواضح ان
هذا الرأي تخيلي أكثر منه واقعياً، لأنه
لا يعاين الواقع بالدرجة التي يتجه فيها
الى تركيب جديد. ولعل تأمل موقف الخطيب من
قضية "البنيوية والنقد العربي القديم"
(1986) يشير الى تغليب الانطلاق من المناخ
الأدبي العالمي المعاصر في مقارنة
متعسفة، بتقديري بين مذهب حداثي والنقد
العربي القديم، كأن نقول ان البنيوية تفرق
تفريقاً فرزياً بين العمل ذي البنية
والعمل الذي يفقد البنية، وإن هذه الناحية
غائبة تقريباً عن النقد العربي القديم..
إلخ. وفي
الجانب المقابل آلَ هذا الصراع المستمر
الى بروز ظاهرة التبعية الى جانب ظاهرة
الهوية، وإذا كانت التبعية في أشد مظاهرها
هي التكوّن النقدي الغربي الاستعماري او
الامبريالي، فإن الهوية لاذت بالتراث،
والتراث النقدي موئل لاحتضان نظرية عربية
حديثة في الأدب والنقد. ويبدو
النقد الادبي العربي الحديث اليوم أكثر من
أي وقت مضى أسير التبعية الثقافية من "التلقف"
الذي شاع منذ مطلع الخمسينات، حيث اجتلاب
المذاهب الأدبية والنقدية من دون تمثلها
او هضمها في النقد الأدبي العربي الحديث.
ولنتذكر على سبيل المثال الوجودية في
الخمسينات ومزاوجاتها القومية
والفرويدية من جهة، ومزاوجات الماركسية
في أسوأ تمظهراتها الستالينية
والجدانوفية ومفاهيم الالتزام
الميكانيكي التي أفرزتها من جهة أخرى. وقد
تحكمت هذه "التلقفات" في الممارسة
الثقافية والنقدية العربية حتى أواخر
السبعينات، وأبرزت - في ما أبرزت - أشكالاً
من التبعية النقدية، حيث المرجعية
الغربية هي المحك لكل قيمة نقدية او أدبية..
وحوكم أدب عربي كثير وفق معايير نقدية
خارجية بتأثير هذه التبعية، مثل وهم
الاتجاه او المذاهب، أو وهم العقيدة
والتحزب، او الانتماء او وهم الالتزام. غير
أن سنوات السبعينات والثمانينات شهدت
ظواهر أخرى للتبعية النقدية أو بتأثيرها،
أولاها الارتهان المطلق للمرجعية الغربية
في نقل المذاهب النقدية، وغالباً بعد
تراجعها في الغرب كما هي الحال مع
البنيوية في إطار هيمنة أطروحات الحداثة
التي فُهمت على أنها النسج على منوال
الغرب او هي تقليد غربي وكفى.. وتلا ذلك نقل
مذاهب أخرى نقلاً مباشراً من دون تمثلها
التمثل اللازم عضوياً في الثقافة
العربية، كأن تكون مؤثراً او مكوناً من
مكوناتها، لا أن تكون مسخاً مشوهاً او
استعمالاً غير أصيل لها، ونذكر منها:
الأسلوبية، العلاماتية والتفكيكية. وثمة
شكوى اليوم من طغيان اجتلاب أو نقل هذه
المذاهب النقدية على سيرورة النقد الأدبي
العربي الحديث، فإما أن تكون بنيوياً أو
لن تكون ناقداً، وإما أن تحذو حذو جينيت أو
غريماس أو تودورف أو دريدا أو هارتمان أو
بول دي مان، أو أنك لا تكتب نقداً، ناهيك
عن تحويل النقد الى جداول إحصائية وأشكال
هندسية وكتابة لغزية أشبه بالمتاهة أو
التجريب الذي لا طائل منه. د.عبدالله
أبو هيف |