فلسطين بين "الخطوة الناقصة" والـ"مبروك"

شكلت اتفاقية "أوسلو" في العام 1993 عملية كبح للانتفاضة الأولى، ذلك أن مسيرة سبع سنوات من الفعل الانتفاضي أُدخلت في بهو المفاوضات المنعدم الأفق، وخلال الفترة الممتدة بين العام 1993 و2000 قيل الكثير في "روزنامات" الحلول، فكانت مقولة الدولة الفلسطينية لازمة ملزمة في الخطاب السياسي الفلسطيني، والانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1967 لازمة أخرى، وإزالة المستوطنات أو بعضها لازمة ثالثة، واستعادة القدس لازمة رابعة.. غير ان شيئاً من اللازمات المذكورة لم يخرج من إطار القول الى إطار الفعل، والسبب على ما أصبح معروفاً أن الجانب الفلسطيني تخلى عن أوراق قوته في مقابل الدخول في أروقة الوعود ومتاهات المجهول.

تلك كانت "خطوة ناقصة" حتى لا يقال أكثر.. والآن، استناداً الى تجربة "أوسلو" وملحقاتها ومستلحقاتها، تنبت المخاوف والهواجس من "خطوة ناقصة" مكررة، تعيد الراهن الفلسطيني الى متاهاته، بعدما غدا واضحاً أن آرييل شارون وفريقه ربضا على فوّهة الأسئلة والمصير..

ليس الكلام سابق الذكر نصاً تسطره "البروباغنده"، ولا حشواً وعائياً، فشارون استنفد عنفه، وأفرغ دمويته، وبات مجرداً من وسائل الضغط ومن عناصر القوة التي يمتلكها، بينما الجانب الفلسطيني ما فتئ يختزن كامل الطاقة الحرارية للمواجهة. وعليه، إذا كان شارون قد أفرغ ما لديه وبدت تتضح أمارات التعب في نصه وخطابه وفعله وتحالفاته، فالفلسطينيون لا عناوين تعب على جباههم، ولا تفاصيل يأس في نهارهم الجهادي الطويل..

صراع إرادات ذاك هو التحول في المسيرة الفلسطينية، ومن يصرخ أولاً يتنازل كثيراً، ومن يستمد من العزم قوة يفرض إراداته وطموحاته وأهدافه..

أمارات التعب عند شارون بادية في مصادرة الفلسطينيين لأمنه وفي الجهوزية المطّردة لتخريج الشهداء، وفي الرد السريع والمتسارع على كل عملية عسكرية لجيشه، وفي إطلاق الثقل السكاني الجهادي في الأراضي المحتلة في العام 1948، وفي تفكك تحالفه مع اليسار، وفي تهديد اليمين له، وفي ابتعاد الأوروبيين عنه، وفي حرج الأميركيين منه ووصولهم الى استصدار قرار دولي (بصرف النظر عن غموضه)، يؤكد أحقية الفلسطينيين بدولة مستقلة.

شارون استعمل الـ"أف 16" و"الأباتشي"، وأعاد احتلال مناطق الحكم الذاتي، وقتل وجرح وشرّد وهدّم.. وماذا بعد؟

لم يبقَ سوى الحذر من "الخطوة الناقصة"، وإذا تُحوشيت هذه الخطوة.. فالعالم كل العالم سيقول: مبروك للفلسطينيين.

توفيق شومان