سذاجة "الخبراء"

من مظاهر الارباك في القراءات  والتحليلات السياسية في فترة الفوضى العالمية الراهنة ذلك الاستسهال في اعتناق المقولات السياسية ومحورة التفكير حولها كقاعدة ومعيار، من دون النظر في مدى صحتها وواقعيتها.

من تعبيرات هذا السلوك الكلام الكثير الذي قيل بعد احداث ايلول / سبتمبر الماضي، والاستعداد الاميركي للرد، ومن ثم دأب "الخبراء" على رصد مواقف الاطراف الدولية والاقليمية لكونها "حاجة" ملحة لواشنطن للشروع في عدوانها على افغانستان. على ان بعض "الخبراء" اضافوا شرطا لازما لهذه الحرب وهو توفير الحجة القانونية لتسويغها، من خلال  تقديم الادلة الدامغة على تورط هذا البلد الفقير في تفجيرات نيويورك وواشنطن. لكن سذاجة "المختصين بالشؤون والعلاقات الدولية" كانت فاضحة جدا عندما بينت لهم الادارة الاميركية ان "ادارتها" للنزاعات والازمات والحروب مختلفة جداً، وأن ادوات التحليل لدى هؤلاء "الخبراء" متخلفة وبالية ولا تصلح لعالم اليوم، فكان ان شرعت واشنطن بالعدوان من دون الحاجة الى حلف دولي واقليمي او حجة قانونية قوية او ضعيفة.

الامر نفسه يتكرر الآن مع الاستعدادات الاميركية لضرب العراق. شاشات التلفزة وصفحات الجرائد ممتلئة هذه الايام  بالمعلقين و"الخبراء" الذين يتلون المزمور نفسه عن "حاجة" واشنطن أولاً لموافقة عربية على تغيير نظام بغداد، وثانياً لذريعة قانونية مثل رفض الاخير عودة المفتشين الدوليين حتى تبرر الضربة. وعليه كان الكلام الرئيس المصاحب لجولة نائب الرئيس الاميركي ديك تشيني انه جاء للحصول على موافقة عربية من العواصم التي زارها. كذلك تمحورت الآراء المصاحبة لمهمة المبعوث الاميركي انتوني زيني من ان حرص ادرته المفاجئ على تهدئة الساحة الفلسطينية منطلق من التفرغ للعدوان على العراق والتخفيف من الاحراجات الشعبية للدول العربية "الصديقة".

ايضاً تكررت المفاجأة نفسها بالنسبة لهذه التحليلات شبه الاجماعية عندما قطع الرئيس الاميركي جورج بوش الطريق على اي احتمال لأي تأثير ولو بسيطاً للاعتراضات العربية وحتى الغربية على خططه للمرحلة "باء" من الحرب على ما يسميه الارهاب، قائلاً انه  يقدر "نصائح" و"مصالح" العرب لكنه باختصار شديد ومن دون مواربة سيضرب العراق. اما الخطوة الموازية في صلافتها فهي رفض تشيني عقد لقاء مع ياسر عرفات حتى يطبق الاخير خطة تينيت لوقف النار، مهزئاً بالتالي الرأي القائل الذي يربط الرغبة الاميركية بالتهدئة الفلسطينية لحاجات الحرب القادمة وليس لحاجات محض اسرائيلية كما تبين.

الخلاصة من هذه الممارسة أن الطريق الصواب لفهم السياسة الاميركية هو التعاطي مع الولايات المتحدة كشيطان بكل ما للكلمة من معنى، مع ما يقتضيه من "منهجيات شريعة غابية"، وليس المنهجيات البشرية المعتمدة في علم السياسة. 

عبد الحسين شبيب