علىخلفية قضية المسجد البابري:
من يكبح التطرف الهندوسي؟

أعاد مقتل 700 شخص معظمهم من المسلمين في منطقة جوجارت الهندية قضية المسجد البابري في أجوريا الى واجهة العلاقات الساخنة بين الهندوس والمسلمين، وهذا الأمر يطرح علامات استفهام واسعة على النسيج الاجتماعي للهند، وعلى مستقبل نظامها السياسي في ظل الادارة الحالية التي يقودها حزب بهاراتيا جاناتا بزعامة رئيس الوزراء فاجبايي.

عموماً تستمد قضية المسجد البابري عناصرها الساخنة من مواجهات العام 1992، حين سعى المجلس الهندوسي العالمي الى هدم المسجد لاعتبارات اعتقادية ترى ان المسجد بُني على أنقاض معبد هندوسي في القرن السادس عشر في مرحلة الحكم المغولي للهند. وأهمية المعبد حسب الزعيم الهندوسي، أنه شهد ولادة "الإله راما"، وهو التجسيد الناسوتي لـ"الإله فشنو"، أحد الأقانيم الثلاثة الى جانب الأقنومين "خبشا وبرهما" و"الإله براهمان"  الذي يعتبره الهنود "المبدأ الأول".

وعلى أي حال، تأتي إثارة هذه القضية في الوقت الراهن على صحوة انبعاث التطرف الهندوسي المتصاعدة منذ العام 1977، حين أُسقط حزب المؤتمر الذي أدار الحياة السياسية الهندية منذ استقلال الهند في العام 1941 الى 1977، تاريخ وصول تجمع الأحزاب الدينية والقومية الهندية الى رئاسة الوزراء.

والملاحظ ان تنامي التطرف الهندوسي ينطوي على العديد من المفارقات، فعلى سبيل المثال فإن حزب "بهاراتيا" المتحول الى مجتمع بهاراتيا جاناتا في وقت لاحق حصل على ثلاثة مقاعد نيابية فقط في العام 1953، وعلى أربعة فقط في العام 1957، ووصل عدد مقاعده في العام 1967 الى 190 مقعداً، ثم الى 295 مقعداً في العام 1999، وهو الأمر الذي جعله أقوى التكتلات السياسية والدينية الهندوسية. مع الاشارة الى ان التكتل المذكور يضم 23 حزباً سياسياً ـ دينياً.

وأما قضية المسجد البابري، فقد ترافقت بصورة دائمة مع العلاقات الاسلامية ـ الهندوسية، وتحديداً منذ تصاعد الاحتكاك بين الطرفين نتيجة انفصال باكستان عن الهند في العام 1947 واتخاذ منحى الأحداث سياقاً دينياً. ومع استمرار الحروب والتوتر بين باكستان والهند، فإن الجدل حول المسجد كان يشهد تصاعداً مستمراً عرف ذروته الساخنة في الثمانينات، حين بدأ "المجلس الهندوسي العالمي" يجمع التبرعات المالية تحت دعوة إعادة بناء المعبد، كما ان المجلس ذهب الى حملة دعائية واسعة كان يدعو من خلالها الهندوس من رجال دين ورجال سياسة الى "الحج" الى المسجد، لتتفجر الصراعات حوله في العام 1992 حيث قُتل ما لا يقل عن 1200 شخص.

المسألة الجديرة بالملاحظة أيضاً، ان تصاعد المواجهات بين المسلمين والهندوس جاء بعدما بدأت إيقاعات  حزب المؤتمر بالانخفاض لمصلحة ارتفاع إيقاعات الأحزاب الهندوسية الدينية، وإذ سعى حزب المؤتمر طوال مسيرته السياسية الى تنظيم آلية علاقة تقترب من الايجابية بين الجماعات الدينية الهندية المختلفة، فإن سيطرة الأحزاب الهندوسية على الشارع الهندوسي راحت تدفع باتجاه الصدام بين الهندوس وغيرهم من أتباع الديانات المختلفة في الهند، ومن ضمنهم المسلمون.

وإذا كان تجمع بهاراتيا ـ جاناتا يأخذ بالاعتبار أحاسيس ومشاعر الهندوس، لأن شعاراته وخطاباته وأدبياته السياسية تقوم على إيقاظ تلك الأحاسيس والمشاعر، فإن التوقعات بشأن أفق هذه القضية لا تحيد عن التكهن بمزيد من الصدامات بين المسلمين والهندوس، ذلك ان الموقف الحيادي لـ"بهاراتيا ـ جاناتا" من قضية المسجد البابري لا يفعل أكثر من فقدانه قواعده الشعبية، وهذا أمر خارج عن المنطق.

وفقاً لما تقدم، واستناداً الى تصاعد المد الهندوسي، وفي ظل النظام السياسي الذي يقود "بهاراتيا ـ جاناتا"، يغلب الظن ان لا تشهد قضية المسجد البابري تراجعاً، بل هي مرشحة الى مزيد من التصاعد، حتى لو عرفت هذه القضية تهدئة ما في مراحل معينة.. وعلى حد قول "لوموند الفرنسية"، فإن التطرف الهندوسي لا يكبح جماحه شخص مثل فاجبايي أو وزير داخليته الأكثر تطرفاً أدفاني، بل ان التطرف بحاجة الى كوابح سياسية بمثل حزب المؤتمر وشخصية مثل أنديرا غاندي أو جواهر لال نهرو..

توفيق شومان