بوش وعقيدته النووية الجديدة

كل يوم يحمل جديداً في موضوع الهوس الأميركي بالتماهي بأبطال أفلام رعاة البقر وغيرها من أفلام الحبس الدائم للأنفاس على حركات البطل وسكناته. فبعد الحرب على أفغانستان وتوسعة هذه الحرب في آسيا شرقاً الى الفيليبين وغرباً الى جيورجيا، وصولاً الى كولومبيا في أميركا الجنوبية، وبعد التهديدات التي تطلقها إدارة الرئيس بوش يومياً بضرب عشرات البلدان والتنظيمات، وبعد حرب الفولاذ التي أعلنتها الولايات المتحدة على شركائها في أوروبا وآسيا وأميركا الجنوبية.. بعد كل ذلك طلع البنتاغون على العالم بمفاجأة جديدة، هي عبارة عن عقيدته الجديدة في الحرب النووية.

الجديد في هذه العقيدة التي يتضمنها تقرير "سرّي" من 56 صفحة وُضعت برسم النخبة الأميركية الحاكمة على المستوى الفيدرالي، هو تخليها عن المبدأ القائل إن استخدام السلاح النووي هو الوسيلة الأخيرة التي يمكن أن تلجأ إليها دولة مهددة في بقائها، وكذلك عن استراتيجية "توازن الرعب" في العقيدة السابقة، أي عن ذلك التوازن الذي كان يضمن خلال الحرب الباردة، عدم لجوء أي جهة لاستخدام السلاح النووي.

أما البديل عن ذلك فهو "استراتيجية الردع" القاضية باستخدام أسلحة نووية أصغر وأكثر دقة ضد الخصوم الفعليين أو المحتملين ممن يمتلكون أو يمكنهم أن يمتلكوا أسلحة دمار شامل، بيولوجية أو كيميائية أو نووية، من شأنها أن تشكل تهديداً للولايات المتحدة، أو لـ"إسرائيل" التي قد تتعرض حسب التقرير، لهجوم بأسلحة الدمار الشامل.

والجدير بالذكر أيضاً أن لائحة الخصوم المستهدفين قد اتسعت لتتجاوز ما يُسمى بـ"الارهاب" وبـ"محور الشر"، ولتظهر فيها أسماء جديدة هي روسيا والصين وسوريا وليبيا. والمثير في العقيدة الجديدة التي نبتت وفقاً لبعض المحللين الأوروبيين، على حفافي السذاجة في التصور الأميركي للمشاكل وحلولها المناسبة، أن واضعيها ـ ومنهم وزير الدفاع دونالد رامسفيلد الذي لاحظ أن القوة الأميركية النووية لم تكن ذات جدوى في منع هجمات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر ـ يشعرون تماماً بمدى دهشة العالم إزاء ما تتفتق عنه أذهانهم المهووسة. ولكن شعورهم هذا لا يردعهم عن ذلك الهوس، بل يجعلهم يمعنون فيه وصولاً الى الترويج لفكرة مفادها أنهم بصدد السعي "الشريف" من أجل امتلاك سلاح نووي خاص بحماية الأقوياء من بطشة الضعفاء!

فصل جديد من فصول خرافة "الحمل الشرس" و"الذئب الوديع"، ومفارقة جديدة في سلاسل المفارقات التي تنتجها بعض الأوساط الأميركية على درب استعداء الجميع واستهداف الجميع والتعطش المرضي لإيذاء الجميع.. بمن فيهم الأميركيون الذين يدفعون الثمن كغيرهم عندما يسقطون قتلى في حروبهم الظالمة هنا وهناك.. أو عندما يخسرون أقواتهم لأن بعض أباطرة المال من أفراد العصابة المحيطة ببوش لا يترددون، كما في فضيحتي إنرون والفولاذ الساخنتين، عن إحراق شعب كامل من أجل تدفئة شخص أو حفنة من الأشخاص.