الساحة المسيحية: اكتواء بنار الانقسامات

في وقت ينشغل غير وسط سياسي وتحديداً المسيحي في ترتيب بيته الداخلي، يغدو هذا الترتيب في جانب منه صعب التحقيق، بل صعب المنال انطلاقاً من رؤى سياسية، ومفاهيم لا تتراوح مع مفاهيم أخرى في الوسط ذاته.. على أن السياق العام القائم حالياً يتجه باتجاه مزيد من الفرز السياسي الذي يستتبعه فرز في المواقع واصطفاف للقوى اللاحقة.

والمقصود بهذا الكلام التباين القائم، أو التخبط الحاصل إذا صح التعبير، بين تيارين أو مشروعين مسيحيين تقاتلا في مرحلة من المراحل حتى حدود "التصفية" بعدما شغلا الساحة المسيحية لفترة طويلة ولا يزالان.

والحديث عن هذين التيارين: "التيار الوطني الحر" الذي يتزعمه العماد ميشال عون، و"القوات اللبنانية" المنحلة يأتي في سياق التصعيد الكلامي الذي اندلع مؤخراً على خلفية كلام عون في لقاء هاتفي معه في الجامعة اليسوعية، الذي خوّن فيه بعض القيادات المسيحية (ولا سيما سمير جعجع وتياره) التي وافقت على اتفاق الطائف.

وأي مقاربة لهذين "السلوكين" المتضادين يجب أن تأخذ بعين الاعتبار جذور المرحلة التاريخية التي حكمت علاقتهما والتي شهدت مطبات كبيرة برغم بعض التقاطع في الطريق خلال المراحل الماضية.

ويظهر من خلال العودة الى "صفحات التاريخ" أن جذور الخلاف بين الطرفين بدأت مستحكمة في المرحلة التي كان فيها عون يمارس عبر موقعه "كرئيس لحكومة انتقالية" مسؤولياته القيادية، ويتخذ وفقاً لهذا الموقع موقفاً في الشأن السياسي العام، في وقت كانت "القوات اللبنانية" تمارس أقصى نفوذها السياسي والأمني على مدى الساحة المسيحية.

والمعروف أنه في تلك المرحلة أعلن عون حربه على الوجود السوري في لبنان في الرابع عشر من آذار/ مارس 1989 رداً على عدم الاعتراف بشرعية الحكومة التي كان يرأسها، في هذه المعركة لم تكن "القوات اللبنانية" متوافقة مع عون، وذلك تبعاً لرؤية خاصة قائمة عند "القوات" غير متطابقة بالضرورة مع عون.

هذا التفاوت في الرؤية السياسية "المصلحية" أسس في المرحلة الثانية لعلاقة، انتجت صداماً مباشراً بين "القوات" و"التيار العوني" عُرف بحرب "الإلغاء"، وقد كلفت لبنان وتحديداً الساحة المسيحية أثماناً باهظة قدرت بـ 1317 قتيلاً و6500 جريح و150 ألف مهجر، فضلاً عن خسائر فادحة في الممتلكات.

 

تصادم سياسي

فالتصادم العسكري، أوجد تصادماً من نوع آخر سياسي، جرى التعبير عنه بوضوح في مرحلة انبثاق الطائف، حيث كانت لعون وجهة نظر مغايرة ومعارضة للاتفاق، بينما كان موقف "القوات" ـ على الأقل في تلك المرحلة ـ "داعماً بخجل" بالنظر الى موقف البطريرك صفير المؤيد، ثم تعززت هذه القناعة في السنوات العشر التي تلت الاتفاق.

فالقواتيون انطلقوا من دعمهم للاتفاق "على أنه مدخل للحل، ويوقف دورة العنف التي كانت قائمة، فيما بقي التيار العوني على قناعة مفادها أن الطائف هو المسبب الرئيسي في إضعاف البنية اللبنانية، وضمنها البنية المسيحية. عدا عن موقفه من الوجود السوري في لبنان الذي شاطرته "القوات" إنما بلغة أخف، وذلك في الفترة الأولى من تطبيق الطائف حيث أصرت على تطبيق بنوده في ما خصّ هذه المسألة، على حد قول مصدر متابع.

ويقول المصدر "إن الخلاف بين الطرفين بقي على أشده نظراً لاختلاف الرؤية حول الطائف، فعون رفض الاتفاق وكل ما انبثق عنه، ولم يعترف بكل السلطات الدستورية، ويعتبر أن التاريخ توقف لحظة انبثاق الطائف، وبالتالي يعتبر نفسه الوحيد الذي يمثل الشرعية".

إلا أن الاختلاف الجذري بين الطرفين لم يحل دون التلاقي عند مرحلة سياسية ما، ثم ان هذا التلاقي سرعان ما تشتت باعتبار أن الخلاف الجوهري هو الذي يفترض أن يحكم العلاقة بين الغريمين.

وينطلق هذا التلاقي أو "التفاهم المصطنع" كما يحلو للبعض أن يسميه من حالة "النقمة التي يعيشها الطرفان"، فالتفاهم كما يقول المصدر "ليس وليد مراجعة ذاتية للمراحل السابقة، أو عودة الى الذات، إنما ما جمعهم هو النقمة على الوضع انطلاقاً من العداء للسلطة، ولعلاقتها مع سوريا.

غير أن المصدر يستطرد ليقول "انه في مسألة العداء للسلطة هناك تمايز بين موقف التيار العوني، والموقف القواتي، فالقوات لا تملك عدائية منهجية.. هذا نوع من عدائية المرحلة بخلاف العونيين".

مرحلة التلاقي لم تستمر طويلاً ليعود التباعد والتنافر سيديّ الموقف بين الخصمين، بالنظر الى الحالة العدائية المفرطة التي استمر فيها التيار العوني، و"طوّرها" لجهة مهاجمة المعارضة بكل تلاوينها السياسية بدءاً من البطريرك صفير، وأخيراً وليس آخراً لقاء قرنة شهوان"، الذي اتهمه بأنه جنح الى الاعتدال، والانفتاح على السلطة.. من هنا بدأ ـ كما يقول المصدر ـ الافتراق من جديد "فأصبح عون يصعّد في معارضته الى حد أن "القوات" والمعارضة لم يقدرا على حمله، وبدأت تظهر التباينات، والعودة الى مرحلة ما قبل "التفاهم الظاهري"، الذي كان الجامع المشترك فيه هو روح النقمة".

وما الحملة الكلامية التي صعّدها عون مؤخراً الا نتيجة مؤكدة للتباين القائم، ذلك أن "عون يمثل حالة لوحدها، حالة لا تلتقي مع السلطة، ومعارضة للمعارضة، لذا فإن خطابه كان التعبير الحاد عن أمر واقع، قائم اليوم بينه وبين كل الجهات في البلد"، يقول المصدر.

وتحلل شخصية مسيحية متابعة الفكر السياسي الذي كان قائماً عند كل من الرجلين "فسمير جعجع له رؤية معينة لمستقبل لبنان ومسيحييه بشكل خاص تقوم على صيغة "الفدرالية" بحيث يكون فيه المسيحيون مستقلون ويديرون شؤون مناطقهم بأنفسهم، أما عون فيريد أن يعود بلبنان الى أيام الاستقلال غداة خروج الانتداب الفرنسي (..) فلا هذه الفكرة قابلة للتحقيق ولا تلك أشفى حالاً".

وفي المحصلة ينظر المصدر الى الواقع بأسف شديد "ذلك أن الفكر السياسي المتبع لم يرتق كفاية لإدراك مصلحة لبنان كوطن ولا المسيحيين فيه في حاضرهم ومستقبلهم، ولا مصلحة اللبنانيين بوجود دولة قوية تستطيع أن تحمي حقوق الشعب وكرامته وسلامته".

حسين عواد