منح التعليم: بانتظار معرفة فائض الضمان

كتب المحرر الاقتصادي

على الرغم من توافق الحكومة ممثلة بشخص رئيسها مع قيادة الاتحاد العمالي العام على زيادة بدل النقل في القطاع الخاص من ألفي ليرة الى ستة آلاف، ومنحة التعليم من مليون ليرة الى مليون ونصف، والمباشرة في بحث مشروع قانون نظام الشيخوخة، فإن مجلس الوزراء لم يمرّ من هذه البنود الثلاثة الى الآن سوى بدل النقل، فيما بقيت منحة التعليم بين أخذ ورد في مجلس إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وأحيل نظام الشيخوخة على لجنة متابعة ستبدأ عملها قريباً.

وبهذا التوافق تجنبت الحكومة إضراباً عاماً كان الاتحاد يزمع تنفيذه، وحقق الأخير مطلباً مزمناً لم يستطع نيله إلا بالضغط والوعيد.

وتعود المشكلة في تأخير بتّ زيادة منحة التعليم الى ربط الحكومة الموافقة عليها بأن تُدفع المنحة من صندوق التعويضات العائلية التابع للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، لا من أصحاب العمل، الذين ما فتئوا يسجلون رفضهم زيادة التقديمات للعمال بحجة ضغط الركود الاقتصادي من جهة، ويرفضون تحميل صندوق الضمان منح التعليم خشية أن تقضي على فائض المال لديه، وتعريض أصحاب العمل تالياً لرفع اشتراكات الصندوق مجدداً من جهة أخرى.

وفي وقت أبدى أصحاب المؤسسات تجاوباً بعد التفاوض مع الحكومة إزاء هذا الأمر، أتت المفاجأة من أربعة ممثلين للعمال في مجلس إدارة الضمان الأسبوع الماضي، بإسقاطهم مشروع مرسوم تحديد شروط الخضوع والاستفادة من المنحة التعليمية، بسبب ما اعتبروه "الأرقام المتضاربة التي تقدمت بها إدارة الصندوق نتيجة التواطؤ مع أرباب العمل، في ما يتعلق بوضع فرع المرضى والأمومة المالي".

ولم ينل المرسوم في تصويت المجلس سوى 12 صوتاً من أصل 26، في حين أن إقراره يتطلب 14 صوتاً، وذلك بعد إعلان مدير الضمان العام محمد كركي عجزه عن إثبات صحة أي من الرقمين اللذين قدمهما عن الوفر في فرع المرض والأمومة، إلا بعد التدقيق في الحسابات المالية للضمان حتى نهاية العام 2001.

وإذا أخذنا بقول كركي، ان هذا التدقيق لا يمكن الانتهاء منه قبل نهاية العام الحالي، فستكون مشكلة منحة التعليم مرشحة للتفاقم، إذا لم يليّن ممثلو العمال موقفهم. لكن السؤال هل سيتحمل هؤلاء اللوم من قاعدتهم العمالية، أم أنهم سيتمكنون من الضغط باتجاه إقرار المشروع إنما وفق أرقام دقيقة لحسابات الصندوق في أقرب وقت ممكن؟

وللانصاف فإن موقف ممثلي العمال نابع من الحرص على عدم إفلاس الصندوق، وهم لم يتخذوه إلا بعد عرض مدير الضمان دراسة تؤكد عدم قدرة الصندوق على تحمل عبء منح التعليم.

ولا يمانع الاتحاد العمالي في زيادة اشتراك صندوق التعويضات العائلية لتغطية منح التعليم، بينما يعارضه بشدة أصحاب العمل الذين ضغطوا لسنوات على الحكومات المتعاقبة حتى تمكنوا من خفض الاشتراكات عن الفروع الثلاثة من 38,5 في المئة الى 23,5 في المئة.

ونتيجة لهذا الخفض، أظهر تقرير صندوق الضمان المالي لسنة 2001 تقلص وفر فروعه الثلاثة مقارنة مع العام 2000، بما يناهز 296 مليار ليرة، من 515 ملياراً الى حوالى 219,5 ملياراً.

فقد سجل فرع نهاية الخدمة وفراً قدره 301 مليار ليرة، مع العلم أن أموال هذا الفرع هي من حق المضمونين كتعويض عن نهاية خدمتهم، وليس من حق الإدارة التصرف بها، بينما سجل فرع المرض والأمومة عجزاً قدره 107 مليارات مقابل وفر 86 ملياراً سنة 2000، وتراجع وفر فرع التعويضات العائلية من 146 ملياراً الى 26 ملياراً، أي بتراجع كبير قدره 120 ملياراً.

وبذلك يكون مجمل الوفر المتراكم على مدى السنوات الماضية حتى نهاية 2001 قد بلغ تقريباً 2592 مليار ليرة موزعة على هذا النحو: المرض والأمومة 287 ملياراً، التعويضات العائلية 393 ملياراً، نهاية الخدمة 1912 ملياراً.

لكنه ليس من المنطق تحميل خفض الاشتراك وحده سبب هذه النتائج، فقد أسهم فيها أيضاً عدم تسديد الدولة مساهمتها في تقديمات فرع المرض والأمومة، وفي اشتراكات السائقين العموميين المالكين.

ومن الأسباب الأخرى زيادة حجم تقديمات فرع المرض والأمومة، وزيادة طلبات تصفية تعويض نهاية الخدمة، بسبب صرف العمال الجماعي أو تركهم العمل في المؤسسات، ومنها تلفزيون لبنان وشركة طيران الشرق الأوسط ومؤسسة كهرباء لبنان.

استطاعت الحكومة أن تمتص نقمة العمال هذه على حسابهم وحساب المؤسسات التي يعملون فيها، بإحالتها منحة التعليم على صندوق الضمان، لكن الحكومة لم تقل جازمة ما الذي تخطط له بعد 3 سنوات حينما ينفد فائض صندوق التعويضات العائلية، فهل ستعيد رفع الإشتراك مجدداً، أم أن الضمان الاجتماعي سيكون في مهب الإفلاس؟