فرصة للعرب

حسين رحال

قبل حلول الذكرى السنوية الثانية للانتصار اللبناني والعربي على الاحتلال الصهيوني بشهرين فقط، يجتمع الزعماء العرب في عاصمة المقاومة التي استعادت أرضها بغالبيتها الساحقة من دون أن يرتفع علم الكيان الصهيوني فيها.

هي مناسبة لدرس كبير في مواجهة الصهاينة، ولتلمس التجربة اللبنانية عن قرب. فبيروت تستقبل الآن رؤساء وزعماء الدول العربية لتتضامن هي معهم أكثر مما سيتضامنون هم معها، وهي الخارجة من حربها ضد الاحتلال بانتصارين عسكري وسياسي.

على وقع التجربة اللبنانية الناجحة سيبحث زعماء العالم العربي التجربة الفلسطينية المتبلورة نحو نجاح مبين شرط أن لا يسيئوا هم الى ظروف نجاحها التي يصنعها أبناء الشعب الفلسطيني وحدهم.

هي مسيرة أثبتت قدرتها على تحقيق الانجازات ثم الانتصار الموعود، ولم يكن أحد ليتوقع أن تصمد الانتفاضة بوجه باراك ثم تسقطه وبعدها تصمد بوجه شارون وتسقط مشروعه الأمني والعسكري تمهيداً لإسقاطه هو ومشروعه السياسي الأيديولوجي.

أجبرت المقاومة الفلسطينية بصمودها الأسطوري برغم الاجتياحات للمدن والقرى والمخيمات وبأجساد استشهادييها وبصبر أمهاتهم، الأميركيين على المجيء الى المنطقة وسؤال الزعماء إياهم عن مواقفهم بعدما فشلت كل المناشدات العربية للإدارة الأميركية للتدخل، وبعدها كان التلويح الأميركي للأصدقاء العرب بالتغيير، تغيير الأنظمة والمناهج والوجوه.

ها هي الانتفاضة تأتي بالأميركيين الى العرب وتحفظ لهم ماء وجههم السياسي.

لماذا إذاً الاحراج العربي من الانتفاضة الفلسطينية؟ أليس من مصلحتهم السياسية ومن مصلحة كياناتهم أن تبقى الانتفاضة عامل قوة وإزعاج للأميركي والإسرائيلي، وورقة قوة للعرب بوجه هؤلاء، تستدرج لهم العروض الأميركية والغزل بعد الجفاء.

هل هو إحراج الزعماء أمام شعوبهم التي تنتظر منهم موقفاً لم يتخذوه؟

فلتقدّر الأنظمة موقف شعوبها مثلما صبرت هذه الشعوب على لا موقف أنظمتها ولا سياستها ولا قدرتها أمام البغي الإسرائيلي والصلف الأميركي. لماذا لا تسمح لها بالحد الأدنى من الديموقراطية التي تطالبها بها أميركا، وهو السماح لهذه الشعوب بالتعبير عن رأيها تأييداً للشعب الفلسطيني؟

إذا كان الزعماء لا يقومون بالدفاع عن شعب فلسطين بجيوشهم كما حصل في العام 1948 وفشلوا، ولا يبادرون الى إرسال السلاح الى الانتفاضة في وقت هي بأمسّ الحاجة إليه دفاعاً عن أطفال فلسطين، فأضعف الإيمان في "قمة فلسطين" أن يأخذوا موقفاً سياسياً يرضى عنه شعب فلسطين وشعوبهم.

وإذا كانت الانتفاضة قد صمدت ميدانياً وعسكرياً برغم الجراح ومن دون مساندة فعلية من النظام السياسي العربي، فهل سيقبل الشعب العربي بأن نضيّع في السياسة ما أنجزناه في الشهادة.

هي رسالة واحدة ينطقها الجميع من المحيط الى الخليج: لا تطعنوا الانتفاضة بالظهر في لحظة يمثل الصمود السياسي فيها آخر مرحلة قبل الانتصار.

هي فرصة ليس فقط للوفاء لما قدمته الانتفاضة للعرب، بل أيضاً لإرسال رسالة إيجابية من كل زعيم الى شعبه تساهم في ردم الهوة الكبيرة بين القمة والقاعدة في كل بلد عربي، وهي رسالة الى الخارج بأننا نستحق الاحترام لا الازدراء.

إذا كانت أميركا تريد من القمة سقفاً جديداً للتسوية وتنازلاً عربياً جديداً في وسائل حق العودة والقدس، وربما أكثر من ذلك، فإن لدى الزعماء فرصة معاكسة لربح شعوبهم قبل أن يربحوا الآخرين.

ماذا لو أجمع الزعماء العرب على مبادرة سياسية ديبلوماسية قانونية جديدة: تقديم نيرون العصر شارون وحكومته للمحاكمة كمجرمي حرب وسفاحين الى المحاكم الدولية.

أليس هذا القرار منطقياً يستوجب تحركاً ويتضمن دعماً ولو سياسياً للشعب الفلسطيني؟