مهمة زيني: تسويق مخططات شارون

في الوقت الذي يأمر فيه ارييل شارون وزير حربه بنيامين بن اليعازر في آخر جلسة للحكومة الإسرائيلية، وأمام جميع وزرائه، انه يجب "أن تَقطع رؤوسهم" ويقصد الفلسطينيين، وفي الوقت الذي تُواصل فيه الآلة العسكرية الإسرائيلية عدوانها الوحشي، يُعرب أنطوني زيني، مبعوث الإدارة الأميركية الراغبة في هدوء الجبهة مع الفلسطينيين، عن استيائه من عرفات ومن أفعاله، ويقول لمقربيه (يديعوت 18/3/2002)، "بالرغم من التعاون الذي يبديه الإسرائيليون، فإن الفلسطينيين يضعون عقبات، وإن عرفات لا يترجم كلامه إلى تعليمات واضحة على الأرض".

 

أنطوني زيني، ومن ورائه الإدارة الأميركية، وهي الشريك اللصيق لشارون في تنفيذ مخططه الرامي إلى ضرب الفلسطينيين ودفعهم إلى إعلان الاستسلام، يرغب فعلا في وقف إطلاق النار بين الطرفين وإحلال الهدوء، إذ ان في ذلك مصلحة للحليفين الاستراتيجيين. فمصلحة الإسرائيليين هي في تحقيق ما وعد به شارون ناخبيه في جلب الأمن المفقود للمستوطنين الصهاينة. أما المصلحة الأميركية فبدت واضحة وجلية، إذ يأمل الأميركيون في إحلال الهدوء في المنطقة تمهيداً لدفع توجههم في ضرب العراق قدماً، وتمكيناً لهم من تسويق ما يخططون له.

 وقد بات من المسلّم به لدى المراقبين، حتى الإسرائيليين منهم، أن شارون لا يملك أفقاً سياسياً، وأنه سعى ويسعى لجلب الأمن عن طريق العنف ومنطق القوة، إلا أن هذا المسعى باء بالفشل بالرغم من انه حاول تحقيقه بكل الوسائل التي تفتقت عنها أدمغة الاستخبارات الإسرائيلية، وكان الفلسطينيون يخرجون من كل جولة منتصرين، ويعود بعدها الإسرائيليون خائبين.

 اما الأميركيون فإنهم يسعون، وهو أمر لا تُخفيه واشنطن، لتحقيق وقف إطلاق النار من دون أن تكون لديها نيات لتجديد المسار السياسي تمهيداً لاتفاق حول الوضع النهائي (هآرتس 19/3/2002)، والمهم بالنسبة لهم هو الهدوء، أو أقله، خفض للعنف إلى مستوى يتعامل معه الإعلام كأنه هدوء.

 وعندما قررت الإدارة الأميركية أنه لا بد من إحراز الهدوء على الجبهة مع الفلسطينيين، لإفساح المجال أمام نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني في تسويق طروحاته لدى قادة الدول العربية تجاه العراق، كان الفلسطينيون في أعلى معنوياتهم، وكانوا قد خرجوا للتو من مواجهة الإسرائيليين بنجاح، وهو ما لا يسمح لزيني بإملاء طروحاته على الفلسطينيين، فكان لا بد من الضغط عليهم وبشدة لتسهيل مهمته في وقف النار من دون تقديم تنازلات اسرائيلية، فكان القرار في تأجيل زيارة زيني من مساء يوم الأحد إلى يوم الخميس، وهو الوقت الذي طلبه الجيش من المستوى السياسي الإسرائيلي لتنفيذ خطة المخيمات بحسب ما أورده الإعلام الإسرائيلي، الا ان صمود الفلسطينيين، بالرغم من الهجمة الواسعة والوحشية للآلة العسكرية الإسرائيلية بما سمي حرب المخيمات، خلط كل الأوراق لدى الحليفين الاستراتيجيين، الإسرائيلي والأميركي، وبات المطلوب القيام بتنازلات إزاء هذا الصمود، التي كان أولها هو التراجع إلى ما وراء مناطق السلطة الفلسطينية المسماة مناطق (أ)، وليس كما كان يفكر الجانب الاسرائيلي من تقديم "تنازلات" من جيب الفلسطينيين مثل اعادة الانتشار في رام الله وجوارها، اي تلك التي احتلها قبيل مجيء زيني.

الواضح ان مهمة زيني واقعة بين فكين: الاول ان مواصلة الفلسطينيين صمودهم ومقاومتهم تستدعي تنازلات اسرائيلية لإغراء عرفات بضبط الاوضاع وهو ما لا يريده شارون، والثاني ان الأميركيين وضعوا أنفسهم في مأزق تصريحاتهم بأن مهمة مبعوثهم تهدف إلى تنفيذ خطة تينيت، وأنه باقٍ في المنطقة لغاية تحقيق هذا الهدف.

غسان دبوق