تجاذب كبير يستبق انعقادها
إرادة الانتفاضة وإرادة القمة

يأتي انعقاد القمة العربية في بيروت أواخر الشهر الجاري في ظروف استثنائية ومفصلية مليئة بالمتغيرات العميقة على الصعد كافة.

فهي من جهة، القمة العربية الأولى التي تُعقد عقب حدث الحادي عشر من أيلول الأميركي، هذا الحدث الذي ما فتئت تشكل تداعياته ومفاعيله وتحدياته موضع ارتباك وخلاف عربي ـ عربي حول كيفية مقاربتها والتعاطي معها.

وفي صلب نقاط الخلاف هذه تأتي مسألة المقاومة، حيث يذهب بعض العرب الرسميين الى تبني المطلب الأميركي الداعي الى إسقاطها من قاموسهم السياسي، في حين يدعو آخرون الى التمسك بهذا الحق وعدم التفريط به.

ومن جهة أخرى تنعقد القمة في ظل الإنجازات النوعية التي حققتها انتفاضة الشعب الفلسطيني، وهي إنجازات يمكن قراءتها من مدخلين: المدخل الإسرائيلي والمدخل الفلسطيني نفسه. فعلى الصعيد الإسرائيلي، فإن نجاح الانتفاضة ليس فقط في الاستمرار، وإنما في تصعيد وتيرتها كماً ونوعاً وعلى نحوٍ غير مسبوق، جعل شارون ومن ورائه الكيان الصهيوني يُمنى بفشل أمني ذريع لم يعرف له مثيلاً منذ حرب تشرين 1973 باعتراف الصهاينة أنفسهم، برغم زجّ من 20 الى 40 ألف جندي نظامي في الحرب، واستخدام مختلف أنواع الأسلحة المتاحة.

هذا، وقد ترتب على نجاحات الانتفاضة في خرق كل التدابير الأمنية الصهيونة، واعتماد استراتيجية العمليات المتنقلة لتشمل تقريباً مختلف مناطق الكيان الصهيوني، الى انكشاف هذا الكيان أمام حرب استنزاف متواصلة تخاض ضده، عبّرت عن نفسها بجملة مظاهر ليس أقلها التدهور الحرج في الأوضاع المعنوية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية التي بات يعيشها الصهاينة، جنباً الى جنب مع بروز انشقاقات وانقسامات سياسية عميقة، سواء داخل حكومة شارون نفسها أو في وسط الشارع الإسرائيلي.

فهذه الإنجازات وغيرها كثير، أدت الى إحداث تعديل نوعي في موازين الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي هو أميل الى الجانب الفلسطيني منه الى الجانب الإسرائيلي.

من هنا فإن القمة العربية لا تستطيع أن تتغاضى عن هذه الإنجازات، أو أن تضعها وراء ظهرها وكأنها لم تكن، برغم كل المحاولات الأميركية التي تشكل مهمتا تشيني وزيني أحد أهدافهما، والإسرائيلية التي يندرج في سياقها التخلي الشكلي لشارون عن المطالبة ببعض الإجراءات، والبعض العربي الرسمي، الهادفة مجتمعة إما الى سحب عنوان الانتفاضة والمقاومة من النتائج المحتملة للقمة، أو التعاطي معها بخفر واستحياء، من دون أن يظهر في الأفق موقف يتبناها بقوة ويدعو الى التمسك بها كحق.

من هنا فإن أي مراقبة للمشهد السياسي المحيط بالمشهد الرسمي للقمة، يقود بوضوح الى أن مسألة الموقف من الانتفاضة والمقاومة تشكل إحدى نقاط الاشتباك التجاذب العربية ـ العربية.

وفي جانب آخر تنعقد القمة العربية وأمامها "رؤية" الأمير عبد الله لـ"السلام"، والتجاذب العربي ـ العربي، وكذلك الضغط الدولي (الأميركي والأوروبي تحديداً) للتأثير على الصورة النهائية التي يجب أن تخرج بها كمبادرة مفصلة، بارزة بقوة للعيان.

وفي هذا الإطار، فإن التجاذب الخاص بهذه الرؤية يتمحور في الحقيقة حول العناوين الرئيسة التالية:

ـ مسألة القرارات الدولية ومرجعية مدريد الخاصة بالصراع العربي ـ الإسرائيلي، حيث بدا كأن هناك من يريد وضع هذه القرارات وراءه، خصوصاً بعد الطريقة التي صدر بها القرار الدولي رقم 1397، الذي ركز فقط على المسألة الفلسطينية، متجاوزاً أبعاد الصراع العربي ـ الإسرائيلي الأخرى.

ـ وموضوع اللاجئين الفلسطينيين وحق عودتهم الى أراضيهم التي هُجروا منها، حيث تبرز مخاوف جدية تستند الى معطيات صادرة عن أكثر من جهة دولية، تفيد بوجود توجه الى القفز فوق القرار 194 الذي ينص على حق العودة، والتعاطي مع هذا الملف بنحوٍ من الضبابية، وبصياغات عمومية تسمح بإفراغه من مضمونه لاحقاً.

ـ مسألة التطبيع، وتشكل هذه المسألة في الواقع بيت القصيد في "رؤية" الأمير عبد الله، على الأقل بالنسبة الى كل من أميركا والدول الأوروبية، وذلك تحت عنوان أنها تشكل نقطة الارتكاز والقوة في هذه الرؤية، التي يمكن الرهان عليها لإحداث اختراق في الموقف الإسرائيلي، وإعادة تحريك المفاوضات السياسية الخاصة بالتسوية.

هذا في الوقت الذي تتباين وجهات النظر العربية ـ العربية حول هذه النقطة، بين من يدعو الى الاحتفاظ بها ومن يدعو الى عدم تقديم تنازلات مسبقة بهذا المستوى الاستراتيجي قبل وضوح أفق الأمور ومساره، لا سيما على طاولة المفاوضات.

هذا فضلاً عن الخلاف حول كنه التطبيع ومضمونه، إلخ..

هل يجب أن يكون التطبيع شاملاً لكل المستويات، أم أن المراد منه مجرد علاقات عادية.. إلخ.؟

من هنا تبدو القمة العربية أمام مهمة حساسة جداً، لأن من شأن النتائج التي تنتهي اليها أن تشكل السقف السياسي ووجهة الصراع العربي ـ الإسرائيلي عموماً، والصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي تحديداً.

فهل ستخرج هذه القمة بتسوية فتحاول ان تجمع في نتائجها بين حق الانتفاضة والمقاومة والتطبيع معاً، بالصورة التي ترتضيها واشنطن والكيان الإسرائيلي معاً، وتكون بذلك قد قطعت نصف المسافة الاستراتيجية نحو الكيان الإسرائيلي من دون أن يصدر عنه ما يقابله حتى الآن، أم أنها ستصغي الى ما يحدث على الأرض داخل فلسطين لتدرك ما يحدث فعلاً، فتكون قمة الانتفاضة والمقاومة فقط، وبالتالي تستحق عن جدارة أن تكون قمة "الحق العربي؟"..

إن تجارب القمم العربية السابقة لا تشجع في هذا المضمار، ولا شيء يشي حتى الآن بإمكان حدوث معجزة من هذا النوع.

وفي مطلق الأحوال، فإن الحدث الرسمي سينتقل، أو هو منتقل، في الأيام المقبلة الى بيروت، إلا أن الحدث الفعلي سيبقى في فلسطين، حيث تحول الصراع من صراع قرارات الى صراع إرادات.