|
|
|
عطاالله إبراهيم
أربعة عشر عاماً تمر على اختطاف المجاهد الشيخ عبد الكريم عبيد، الذي اختطف فجراً من منزله في بلدة جبشيت مع اثنين من مرافقيه على أيدي فرقة من قوات الكومندوس الإسرائيلي في سياق عملية قرصنة نفذتها قواته بتاريخ 28 تموز من العام 1989. العدو الإسرائيلي الغادر الذي اقتحم المنزل برفقة قوة مدرعة توزعت في محيط وجوار البلدة، وقام بترويع الأطفال والتعرض بالضرب لعيال الشيخ وإطلاق الرصاص عشوائياً داخل الغرف والممرات بطريقة متوحشة وبشعة على طريقته المعهودة التي مارسها ابان اغتصابه لفلسطين واقتحامه القرى والمنازل وترويعه النساء والأطفال والشيوخ وارتكابه للمجازر واعتماده أساليب القمع والترهيب لتهجير الأهالي وطردهم من منازلهم على حين غرة وتدميره للقرى وجرفه للمزروعات والأراضي منذ العام 1948م وحتى الساعة. أربعة عشر عاماً تمر والشيخ الأسير يرزح خلف قضبان الأسر التي زادته صلابة وعنفواناً وإيماناً بالقضية التي يحمل وبالوطن الذي أحب. وغالباً ما ترى الشيخ الأسير رابط الجأش برغم ثقل الحديد بين راكع... وساجد... وقائم وتالٍ للقرآن يتمتم بكلمات يناجي بها الله ودعاء يكشف فيه الغم والهم بعد أن فقد الشيخ داخل زنزانته عدداً من أهله، والده الحاج علي بشير عبيد ووالدته الحاجة امنة قازان وعمه الحاج حسن حمدان وخاله الحاج أمين قازان وآخرين... وآخرين ممن أحبهم وأحبوه من ذويه وأحبتّه من الشهداء والمجاهدين وأبناء بلدته. أربعة عشر عاماً تنقضي والشيخ ما زال هو الشيخ، والموقف هو الموقف، يرمق فلسطين بعينيه النحيفتين ويسلم على هامات المنتفضين في الأقصى وجنين وغزة والناصرة وبيت لحم... لم يتراجع الشيخ الأسير قيد انملة عن قول الحق ورفض الباطل.. هذا ما تربى عليه وناضل من أجله، وهذا ما ردده على ألسن رفاقه الذين التقوه وتعلموا منه "إننا أصحاب الحق وأصحاب الأرض ولا يحق للغازي والمعتدي أن يفرض شروطه علينا". وبعد أسر الجنود الصهاينة لدى مجاهدي المقاومة الإسلامية وحزب الله وطرح قضية التبادل للأسرى اللبنانيين دون غيرهم من الفلسطينيين والعرب كان رد الأسير المجاهد سماحة الشيخ عبد الكريم عبيد ومن معه من الأسرى اللبنانيين: "إننا لن ننعم بالحرية قبل نيل الحرية لإخواننا الأسرى المجاهدين من فلسطين وعرب في عملية التبادل هذه". ما يقارب العقد ونيف يمر على اختطاف شيخ الأسرى وإخوانه من اللبنانيين والصمت الدولي ما زال يلف معظم الهيئات الدولية والإنسانية بما فيها منظمة الأمم المتحدة، ومجلس الأمن الدولي، وعلى رأس الأولى أمينها العام السيد كوفي أنان الذي لم يحرك ساكناً بهذا الخصوص، بل بقي متفرجاً أمام كل الجرائم والانتهاكات التي يسترسل العدو الغاصب بارتكابها أمام مرأى ومسمع العالم بأكمله، وخصوصاً أن صمت هذه الجهات جرأ هذا العدو للمضي في غطرسته وغيه.. وللقفز فوق كل المواثيق الدولية، ويتمادى في هتكه وتجاهله للأعراف الإنسانية على حد سواء. ليس من العدل أن يتحرر الجزء الأكبر من الوطن في أيار/ مايو العام 2000م وتبقى قضية الأسرى اللبنانيين السبعة عشر كورقة ابتزاز بيد هذا العدو يستخدمها أنى يشاء وساعة يشاء، تارة بحجة المقايضة بجنوده الأسرى المعتقلين لدى حزب الله وتارة أخرى بحجة الإمعان في كسر شوكة المجاهدين الذين حطموا أسطورة جيشه الذي لا يقهر وجعلوا منه ألعوبة خلال اقتحامهم لمواقعه وتصيدهم لعناصره بين التلال والأودية. لقد أخفق العدو الإسرائيلي بمسألة التعاطي الإنساني مع قضية الأسرى والمعتقلين وجعلها قضية سياسية تندرج في إطار خدمة مصالحه الذاتية والابتزاز أمام أي مرحلة استحقاقية أو منعطف انتخابي بهدف تضليل الرأي العام الداخلي (الإسرائيلي) والخارجي من جهة، وحصد المكاسب السياسية من جهة أخرى. فعلى مدار أربعة عشر عاماً حاول العدو المتغطرس أن يطمس قضية الأسرى المعتقلين داخل السجون ويرغمهم تحت وطأة التنكيل والتعذيب وممارسة أقسى أساليب الضغط النفسي والجسدي بحقهم بهدف إذلالهم وتركيعهم وانتزاع اعتراف منهم لجرم معين لم يقترفوه أو إلصاق تهمة بهم لا أساس لها من الصحة والواقع على انهم ارتكبوها... ويسن قوانين عشوائية تتماشى مع سياسته وتخدم مصالح جنوده كمقولة الاعتقال الإداري التي ينفذها اليوم بحق المئات من الأسرى المعتقلين وعلى رأسهم الشيخ عبد الكريم عبيد والحاج مصطفى الديراني. ويذكر أن الكنيست الإسرائيلي وافق على مشروع تمديد الاحتجاز الإداري للأسيرين منتصف تموز/ يوليو وحتى أيلول/ سبتبمر عام 2000م ومن ثم تمديد فترة الاعتقال. وذكر تقرير الصليب الأحمر الدولي أن الوضع الصحي للشيخ عبيد والأسرى المعتقلين في السجون الإسرائيلية مزر للغاية نتيجة لسوء المعاملة والتعذيب والمستمر والعزل عن العالم الخارجي حيث لا يسمح للصليب الأحمر الدولي بلقائهم بحرية ودون قيود. إن هذه الصورة المأسوية تعطي دليلاً واضحاً على أن المعتقلين والأسرى اللبنانيين والفلسطينيين وباقي الأسرى والمعتقلين من العرب هم تحت رحمة عدو لا يعترف بالقوانين والمواثيق الدولية، ولا بأبسط مبادئ شرعة حقوق الإنسان، ولهذا ينبغي على الجميع من مجتمع دولي وإدارات حكومية ومؤسسات أهلية وإنسانية العمل من أجل إطلاق سراح كل الأسرى والمعتقلين من السجون الإسرائيلية وإنهاء معاناتهم المستمرة منذ سنوات طويلة فوراً. لتكن هذه المناسبة يوم الثامن والعشرين من تموز ذكرى اختطاف الشيخ المجاهد عبد الكريم عبيد يوماً لرفع قضية الأسرى والمعتقلين عالياً للضغط على العدو ليتحول هذا اليوم الى يوم للحرية تفتح فيه كل السجون والمعتقلات ويحرر فيه المجاهدون كافة. لقد انتصر شيخ الأسرى وإخوانه داخل السجون والمعتقلات مرتين، مرة عندما حولوا السجن الى مدرسة تصنع الحرية وتعلم الأجيال، ومرة أخرى عندما تحولوا هم ومن معهم الى أحرار داخل سجونهم برغم الأسر، وحولوا سجانيهم الأحرار الى سجناء. وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على مدى ارتباط هؤلاء المجاهدين بأرضهم وقضيتهم ووفائهم لله وإخلاصهم للوطن. ... هي إرادة الشرفاء... أبداً لا تلين... ولن تتزعزع... إرادة تصنع الرجال في الوغى... وهامات مرفوعة دوماً لا تسجد إلا لله ولا تذكر إلا اسمه... والشيخ ومن معه هم من جبلة هذه المدرسة التي تخرج المجاهدين والأبطال... * رئيس الجمعية اللبنانية للأسرى والمحررين
نبذة عن حياة الشيخ عبد الكريم عبيد ـ شيخ الأسرى والمعتقلين الشيخ عبد الكريم عبيد: ـ متأهل وله خمسة أولاد هم: ساجد ـ مجاهد ـ ساجدة ـ مجتبى ـ مجاهدة التي لم يرها حتى الساعة. ـ هو إمام لبلدة جبشيت، تسلم إمامة المسجد بعد استشهاد سلفه الشيخ راغب حرب. ـ أقام الشيخ عبيد في جبشيت صلاة الجمعة حيث كان يؤم عدداً كبيراً من المصلين من القرى والبلدات المجاورة. ـ اختطف من منزله في جبشيت مع اثنين من مرافقيه المدنيين أحمد عبيد وهشام فحص بتاريخ 28/7/1989م على يد مجموعة من قوات الكوماندوس الإسرائيلي من بين أطفاله وعياله. ـ تعرض ويتعرض لتعذيب شديد ويعاني من أمراض عدة في معدته ووضعه الصحي متدهور. ـ تنقل خلال فترة اعتقاله في عدة سجون معزولاً عن العالم الخارجي في سجنه الحالي كفريونا حيث يمنع من لقاء ممثلي الصليب الأحمر الدولي. ـ وصلت منه رسالة من سطرين عبر المندوب الألماني منذ العام 1996م لقاء عملية تبادل أفرج فيها العدو الإسرائيلي عن 35 أسيراً و126 جثمان شهيد كان العدو احتجزها منذ العام 1982 مقابل أشلاء لجنديين إسرائيليين. ـ مسجون حالياً في سجن كفريونا الذي يقع على بعد عشرة كيلو مترات عن مدينة طولكرم، وقد خصص هذا السجن لاستيعاب نحو 200 حيث لا يُسمح لأحد بزيارته.
كلمات من خلف القضبان بعثها سماحة الشيخ المجاهد لابنته مجاهدة التي لم يرها حتى الساعة وبعد... عروستي الحبيبة ومشكاتي الخامسة، ومرجانتي الثانية، مجاهدة... التي لم ترني أو تسمعني عن قرب، وسمعت صوتي بعد اختطاف... ورأت صورتي بعد ذلك... إنني مشتاق إليك والى جميع من حولك، ولك أنت يا عروستي الحبيبة... ربما لأنني لم أرقب خطواتك... ولم أسمع صوتك... وخصوصاً كلمة بابا... أول الكلام ولم أحضنك... ولم أضمك الى صدري. هذا يحز في نفسي... ولكن لي أسوة يا ابنتي... بالعترة الطاهرة عليهم أفضل الصلاة والسلام... فكل الذي يجري علي... هو قطرة في بحر بلائهم ورزاياهم. عروستي التي لم أرها بعد... لا يسعني وأنا خلف قضباني هذه... إلا أن أرفع قبلاتي الحارة لك ولإخوتك جميعاً... مع كل كلمة كتبتها لكم جميعاً... ألف تحية وقبلة ولمسة حنان... ودعائي لكم جميعاً بالتوفيق في الدنيا والآخرة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الوالد المشتاق الشيخ عبد الكريم عبيد |