|
|||
|
بعد تعليق الزيادة على رسم الاشتراك الشهري لعدادات الكهرباء في مجلس الوزراء الأسبوع الماضي، نتيجة الرفض الشعبي والحزبي والنقابي، دخل ملف الكهرباء مجدداً برمته الى طاولة مجلس الوزراء لاعادة النقاش فيه وبحثه وإيجاد الحلول الناجعة. وإذا كان البحث سيتركز على مناقشة التوصيات الـ26 التي صدرت عن الجلسة التي خُصصت للكهرباء في 31/ 3/ 2003، الا أن ذلك بحسب العديد من المتابعين لا يكفي لايجاد الحلول الناجعة اذا لم تبحث المشاكل البنيوية التي تعاني منها مؤسسة كهرباء لبنان، ويُعد النظر في السياسات المتبعة ويُسلَّط الضوء على المبالغ التي صُرفت في تطوير هذا المرفق منذ انتهاء الحرب الأهلية. ويلفت هؤلاء الى ان مؤسسات وشركات الكهرباء في العالم منتجة ومربحة، لا بل انها تموّل جزءاً من الدخل القومي، بينما هي في لبنان قطاع خاسر يلقي بعبئه على المواطنين وعلى خزينة الدولة. يقول الوزير الأسبق محمد يوسف بيضون في احدى مداخلاته في ندوة متخصصة: ان مؤسسة كهرباء لبنان كانت من أنجح المؤسسات العامة وتعمل باستمرار نحو تطوير منشآتها، بحيث ان انتاجها كان يزيد بنسبة 8 ـ 10 % سنوياً.. وهي المؤسسة التي استردتها الدولة من شركة بلجيكية ـ فرنسية في الستينيات وجعلتها مثالاً للمؤسسات العامة المنتجة قبل العام 1975.
اهتمام ولكن.. صحيح أن الحرب التي عصفت بلبنان أصابت وعطلت كل القطاعات العامة وضربتها، وقطاع الكهرباء من ضمنها، لكن بعد انطلاق مسيرة الاستقرار والسلم الاهلي في لبنان عام 1990 وتشكيل حكومة جديدة، كانت الكهرباء من القطاعات التي انصب الاهتمام عليها لأنها تشكل جزءاً مهماً من البنية التحتية. ولذلك عندما شُكلت حكومة الانماء والاعمار برئاسة الرئيس رفيق الحريري في العام 1992، لحظت خطة النهوض الاقتصادي تخصيص مبلغ مليار و 600 مليون دولار لاعادة تأهيل قطاع الكهرباء وتحويله الى قطاع عصري متطور. كانت المشكلة آنذاك عدم توفير الطاقة الكهربائية لعدة مناطق واتباع نظام تقنين قاسٍ، فجاء الوعد بأن الكهرباء ستكون (24/24) في العام 1994، بعد تطوير منشآتها وإحداث اصلاح اداري في هيكليتها. لكن الذي حصل هو أن حكاية انقطاع التيار الكهربائي تفاقمت، ولم يُلحظ ان هناك تطوراً ما حصل في المؤسسة يعطي أملاً بأن الأموال المرصودة التي تُصرف على قطاع الكهرباء تُعطي مفعولاً ايجابياً. فالمؤسسة رفعت قيمة الاشتراكات وبدل ثمن الكيلوواط الواحد تحت حجة ارتفاع أكلاف الانتاج، وأن المؤسسة تخسر سنوياً أكثر من 500 مليون ليرة لأن نسبة الجباية لا تتعدى الـ40% في بعض المناطق، في حين ان "التعليق" على الشبكة بشكل غير قانوني هو بمعدل 100% في مناطق أخرى. تحت هذه العناوين استمرت مؤسسة كهرباء لبنان في الضغط على المواطنين بالفواتير وبقطع التيار، في الوقت الذي كانت فيه تحجم عن القيام بخطوات اصلاحية في داخلها وفي هيكليتها، وأبقت الجباية مشلولة بنسبة كبيرة، في حين انها أحجمت من باب الاهمال والتقصير عن تركيب عدادات للمواطنين الذين كانوا قد سددوا الاشتراكات المطلوبة ودفعوا الرسوم وانتظروا تركيب العدادات لكن دون جدوى، ومنهم من ينتظر حتى يومنا هذا.
معامل التحويل المسألة الأساسية التي حدثت أيضاً هي في انشاء معامل تحويل جديدة بمواصفات عصرية، ومنها معمل الزهراني الذي بلغت أكلافه 300 مليون دولار أميركي، لكن تبين لاحقاً وفق مصادر متعددة، أن المعمل لا يعطي النتيجة المطلوبة لاعتبارات فنية متعددة. وبموازاة معمل الزهراني هناك معمل دير عمار في الشمال العصري والمتطور، الا ان الاهتمام به غير كافٍ، وبالتالي فإنه لا يلبي بالكامل حاجات المواطنين. وغالباً ما تذرعت المؤسسة بأن بعض محطات التحويل قد أصيبت بأضرار كبيرة جراء الاعتداءات الاسرائيلية عليها، الا ان هذه الذريعة لم تعش طويلاً بعدما بينت التقارير والدراسات ان هناك إهمالاً في اصلاح الاضرار، وأن الأكلاف قد زادت عما هو متوقع. وظهر وفق الدراسات والاعتمادات المرصودة أن مبلغ المليار و600 مليون دولار المرصود في خطة النهوض الاقتصادي لتطوير قطاع الكهرباء قد زاد كثيراً حتى وصل الى مليارين و200 مليون دولار كما يقول متخصصون، ولكن لا تزال مشكلة الكهرباء على ما هي عليه برغم تحسن طرأ جعل التغذية بالتيار تصبح 24 على 24 في بيروت الادارية وبحدود 22 ساعة في بعض الاحيان في مناطق متعددة. ويقول مطلعون ان هبات عديدة حصلت عليها مؤسسة كهرباء لبنان لإنشاء بعض المحطات من شأنها أن ترفع المبالغ المرصودة لتطوير القطاع الكهربائي الى أكثر من ثلاثة مليارات دولار، وهي من السعودية ودول خليجية والاتحاد الأوروبي وفرنسا.
أزمة متعددة الرؤوس ووفق المطلعين فإن مشكلة الكهرباء في لبنان تقوم على نقطتين أساسيتين: بنيوية في كيفية اتخاذ القرار في مؤسسة كهرباء لبنان ومن هي الجهة المسؤولة، بحيث ان المؤسسة كما هو واضح تعمل تحت اشراف رأسين، مجلس الادارة ووزير الوصاية!.. فمثلاً موضوع شراء الفيول يضيع بين صلاحيات مجلس الادارة والتصديق على شراء هذه المادة من قبل وزارة الطاقة. والنقطة الثانية ادارية، وهي جزء من وضع المؤسسات العامة في البلد كله، أي الترهل الاداري ووقف التسيب وإقفال مزاريب الهدر. ويقول أحد المعنيين ان موضوع الكهرباء في لبنان هو أزمة بعدة رؤوس لا يمكن معالجته من ناحية واحدة، ولذلك فهذا الأمر سيتفاقم، وآخر فصوله موضوع زيادة الاشتراك تحت عناوين ارتفاع أسعار الفيول عالمياً. ووفق الصناعيين والاقتصاديين فإن قراراً من هذا النوع يعني توجيه الضربة القاضية الى القطاع الصناعي، بحيث انه في معظم دول العالم يستفيد الصناعيون من تعرفة مخفضة إلا في لبنان الذي يعاني فيه القطاع الصناعي من شلل. أما على الصعيد الشعبي فإن المواطن لم يعد يستطيع تحمل أعباء ضرائب جديدة، خصوصاً ان فاتورة الكهرباء تحمل تدويراً غير مفهوم وغير مبرر في بعض الأرقام، ما يجعلها ترتفع بشكل كبير! علماً أن قانونيين يقولون ان رفع الاشتراك يندرج في باب "الاحتيال" على المواطن، وهو لا يحمل صفات قانونية مطلقة، ولذلك فإن أزمة الكهرباء ستبقى في لبنان حكاية إبريق الزيت تتجدد باستمرار تحت عناوين مختلفة.. لكن هل لا يزال المواطن يمتلك القدرة على التحمل في ظل هذه الأوضاع الاقتصادية المتردية؟! |