حين يجانب الإعلام دوره
سلامة اللغة العربية على المحك


كانت الصحافة العربية منذ عصر التنوير الى العقد الأخير من القرن العشرين عاملاً منشطاً لتحسين سلامة التعبير وتطوير اللغة العربية، لتجاري اللغات الحية بما ترفدها به من مصطلحات ومفردات حديثة، من دون المساس بقواعد لغة القرآن ونهج البلاغة والبحتري وأبي تمام والمتنبي.

إذ كانت هذه الصحافة مدرسة تعلم النشء الكتابة الصحيحة عن طريق القراءة السليمة. فالقائمون على الصحافة العربية أدباء معروفون بثراء التعبير والحرص على سلامة اللغة، مع حصيلة مكثفة من البلاغة والبيان وباع طويل في الإلمام بلغة سيبويه. وكان من فرسان الصحافة آنذاك: خليل مطران "شاعر القطرين" وأنطون الجميّل اللذان تعاقبا على رئاسة تحرير جريدة "الأهرام"، يعقوب صروف رئيس تحرير "المقتطف"، جرجي زيدان رئيس تحرير مجلة "الهلال"، وقبلهم عبد الله النديم في الصحف العرابية وغيرهم كثيرون.

هذا في مصر، أما في بلاد الشام فقد عمل في الصحافة أدباء كبار منهم الأخطل الصغير في "البرق"، سعيد عقل في "البيرق"، رشيد رضا في "المنار" ونجيب الريّس في "القبس" وآخرون.

لقد اهتمت الصحافة في تمتين معرفة القارئ بلغته مع ترقية المدارك الذهنية وتحسين الصيغ التعبيرية، بخلاف الصحافة اليوم، ومعها بقية وسائل الإعلام المرئي والمسموع، حيث يُجهّل القارئ والمستمع بدقائق لغته بما تفرزه من مفردات هجينة ومصطلحات ركيكة وأساليب ممجوجة، في جمل فقيرة التركيب ضحلة، يُغتال فيها سيبويه ويُسفك معها دم الخليل بن أحمد الفراهيدي والجاحظ وابن المقفع.

 

اللهجة المحكية آخر البدع

وأسوأ ما نسمعه على ألسنة المذيعات المصونات والمذيعين عبر محطات التلفزة هو تعميم اللهجة المحكية بتعويد المستمع العربي عليها بديلاً عن لغتنا الجميلة التي هي أغنى لغات الأرض قاطبة. وهذا ظاهر بشكل صارخ في لبنان ومصر أكثر من أي بلد عربي آخر. وكأن المقصود القضاء على وحدة العرب الثقافية الكامنة في هذه اللغة.

وعندما نقول "وسائل الإعلام المرئي والمسموع"، فالتوصيف لا يشمل جميع هذه الوسائل بالطبع، فهناك إذاعات ومحطات تلفزة لا تزال حريصة على لغتنا العربية، لكنها قليلة في غمرة هذا المحيط اللجي من الركاكة والتفاهة والتجهيل.

 

الصحافة تتخلى عن دورها

من يطالع الصحف والمجلات العربية في كل ديار العرب يصعق من هول الأخطاء اللغوية في سياق الأخبار والتحليلات، حتى القطع "الأدبية" التي تعج بها الصفحات الثقافية. ومن النادر جداً أن تقرأ مقالاً خالياً من الأخطاء الفادحة في اللغة. وعلى سبيل المثال لا الحصر "جهوزية"، والصحيح جاهزية، و"الأندية الأبطال" والصحيح "الأندية البطلة"، و"أميركا وحلفاؤها" والصحيح أميركا وحليفاتها، لأن الكلام عن دول وليس عن أفراد. كما ان في الجملة السابقة الكلام عن غير العاقل، فلا يصح التعامل مع غير العاقل كعاقل.

وحين ننتقل الى الأساليب الركيكة فالذهول يصعقنا أكثر، اذ ان الكاتب الأديب غالباً ما يستعمل الجمل الاسمية بدلاً من الجمل الفعلية، وهذه ثالثة الأثافي.. فالعربي لا يقول: الرجل جاء أو الرئيس قال، بل يضع الفعل أولاً!..

ومن ظواهر الرداءة في إعلامنا العربي صرف ما لا ينصرف مثل: "معاركاً" و"مواقعاً" و"مواقفاً"، واعتماد مفردات عامية متدنية مثل: "خربط" بدل "أفسد"، وعشرات الكلمات الأخرى من هذا القبيل لا يتسع المجال لتعدادها.

وتتبدى الضحالة الثقافية في إعلامنا العربي بالجهل المطبق في أصول البلاغة العربية، حيث يقول مذيعونا وصحافيونا: يتجلى العدوان الصهيوني بكذا وكيت، مع أن العدوان لا يتجلى، بل يظهر أو يبدو أو يتبدّى، ومن المعيب جمع السلبي مع الإيجابي.

وآخر مبتكرات الإعلاميين جمع الجمع بحيث يقولون: "الحشودات" الإسرائيلية بدل الحشود، و"الضغوطات" بدل الضغوط، و"عروضات" بدل عروض وهلم جرا..

وهكذا نرى خروج إعلامنا العربي على مهمته الأساسية، فبدلاً من أن يكون عامل تقدم ورقي وتثقيف كما كان الإعلام في السابق، صار ـ للأسف ـ عامل تخلف وهبوط وتجهيل.. والمطلوب أن يعود هذا الإعلام ليمارس دوره كمدرسة لتثقيف النشء وتعليمه أصول الكتابة والكلام الصحيحين، إذ لا خير في أمة تقدم خطابها الفكري والسياسي بلغة ركيكة.

عوض شعبان