|
|
|
ثمة مبالغة أميركية في استنزاف مفاعيل الحرب على العراق، وفي قطف نتائج حروب أخرى مستتبعة، لم تقع، ذلك أن وقائع تغيير الخرائط الإقليمية والمحلية تستدعي أن يذهب العرب الى الجولة المقبلة من الصراع السياسي والديبلوماسي والعسكري عراة تماماً من أي أوراق قوة أو ممانعة أو أمل بإمكانية استيلاد نوع من الاستقلال أو الاعتماد على النفس أو بناء القدرات الذاتية. الشرق الأوسط المطلوب مادة هلامية: شعوب بلا دول فعلية، تحتاج جميعاً للوصاية الدولية وكأنها نابتة كالفطر بلا جذور ضاربة في التاريخ والجغرافيا، باستثناء الكيان الصهيوني الذي تريده واشنطن رمزاً وحيداً للدولة النموذج في الشرق الأوسط. تماماً مثلما قلبت الآية فأصبح آرييل شارون رمز السلام الأميركي، وكل العرب والمسلمين إرهابيين حتى يثبتوا العكس فرداً فرداً. في المبالغة أيضاً ذلك التهويل في القدرات العربية (للدمار الشامل) تارة مع سوريا وأخرى مع غيرها، وليس مستبعداً أن تصل الأمور بعد أيام الى مطالبة السعودية بإعادة بضعة صواريخ من طراز رياح الشرق الى مصدرها الصيني بحجة الحفاظ على التوازن الاستراتيجي في المنطقة. هي مبالغة تتجاوز المنطق السابق بالحفاظ على تفوق نوعي لـ"إسرائيل" كان دوماً في رأس مطالب الكيان الصهيوني من الأجندة الخارجية للولايات المتحدة، وكانت هذه الأخيرة تلبيها. المطلوب الآن سحق أي أوراق قوة مهما كانت ضئيلة ليتسيّد الإسرائيلي في منطقة غرب خط H3 العراقي كجزء من توزيع المغانم بعد أن وضع الأميركي قبضته على شرقي المنطقة خليجاً وعراقاً بحراً وبراً. ضمن هذا السياق يجب أن يدخل الفلسطينيون وبرئاسة أبو مازان المفاوضات مع شارون بدون أي أوراق ضغط، بدون السلاح المقاوم الخفيف، وبدون "بنية" (هيكلية) مستقرة للمنظمات المعادية للاستسلام. أما لبنان فهو الآخر يجب أن لا يحتفظ بأي أوراق حماية أو دفاع مهما كانت ضئيلة أو محدودة، ذلك أن التسيّد المطلق للصهاينة جواً وبراً وبحراً يجب أن لا تشوبه شائبة ولا رد فعل. وفي أوراق القوة اللبنانية، عدا عن الوحدة الداخلية وبقاء المقاومة حية، ذلك العمق من التلاحم مع سوريا وإيران، لذلك فإن انفراد لبنان واستفراد سوريا يسهلان عملية القضم والاستيلاء السياسيين قبل العسكريين. هكذا تدفع المبالغة الأميركية الأمور الى عكس الصورة، فالدولة التي تهدد جيرانها بالفعل هي الكيان الصهيوني الذي يمتلك بضع مئات من القنابل النووية، والصواريخ البالستية، وسلاح جو ضخماً. والجبهة المقابلة وهي سوريا ولبنان لا تمتلك كل هذا التسلح الشامل، ولا يوازي مخزونها التقليدي خمس ما لدى الصهاينة من سلاح وعتاد أميركي حديث. من يحتاج الى التطمين هو لبنان وسوريا، ومن يجب نزع سلاحه الخطير على الآخرين هو الطرف المقابل لهما. هكذا تأخذ السياسة الأميركية على عاتقها الأجندة الإسرائيلية بالكامل، فلا تمييز في المنطقة بين سياستين أميركية وإسرائيلية، السياسة واحدة والمطالب واحدة والوقاحة واحدة في الديبلوماسية الآتية إلينا بثياب مدنية أو بالتصريحات النارية المقذوفة من وراء البحار. لا أحد عاقلاً في لحظة قرقعة التهديدات يتخلى عن أوراقه الرابحة، وهو يعرف أن لا قيم في هذا العالم غير ما تصنعه القوة، حتى ولو كانت أوراقه محدودة وغير متكافئة مع العدو، ذلك أن القليل خير من لا شيء في غابة الوحوش الدولية. ومن أوراق قوتنا التي ينبغي تعزيزها أيضاً ذلك العمق الاستراتيجي السوري ـ الإيراني الذي وقف دوماً الى جانب لبنان دولة وشعباً، ولعل الزيارة التي يعتزم رئيس الجمهورية الإسلامية السيد محمد خاتمي القيام بها الى لبنان الأسبوع المقبل تأتي في لحظة مناسبة تماماً لإظهار التضامن معه، ولإعلان عدم استفراده أمام الغول الإسرائيلي، وحامل أجندته الكاملة أي المندوب الأميركي. هي زيارة أخوة ومحبة ورؤية مشتركة بين البلدين، لبنان وإيران، وهي أيضاً محط آمال الشعبين في علاقات لا تنفصم عراها، تتجاوز المصالح المشتركة الموجودة الى صلات ثقافية وروحية وتاريخية ومستقبلية تؤسس لشراكة حضارية كاملة. حسين رحال |