الاستنساخ البشري
بين التقدم العلمي وتلاعب الجماعات الشاذة

 

الأخبار عن النجاح في استنساخ أول كائن بشري لا تزال غير مؤكدة، لكن ماذا لو تحقق النجاح الكامل في هذا المجال؟ الصورة كالحة بلا شك، والبورصة أول المستفيدين.

 

الشكوك كثيرة حول صحة ادعاء العالمة الفرنسية بريجيت بواسيلييه، المديرة العامة لشركة "كلونايد" والعضو في طائفة "الرائيليين"، بأنها تمكنت من توليد أول إنسان مستنسخ في السادس والعشرين من كانون الأول/ ديسمبر الماضي. ادعاء رافقه ادعاء آخر عن قرب ولادة أربعة أطفال آخرين بالطريقة ذاتها، بينهم طفلة أعلن أنها ولدت الأسبوع الماضي لأم شاذة جنسياً هولندية، لكن لم يكشف عن بلد الولادة.

وقد حرصت بواسيلييه ـ ربما لإشاعة الانطباع بتقدم الأبحاث في مجال الاستنساخ ـ على تأكيد أن الطفلة الأولى ـ اسمها "حواء" ـ قد ولدت بعملية قيصرية، بينما الثانية بالطريقة الطبيعية العادية.

 

غموض وتراجعات

وترتكز الشكوك على سببين: أولهما أن الاستنساخ الذي صادف نجاحاً منذ الخمسينات على حيوانات كالضفادع والحراذين وخلال السنوات الأخيرة على الأبقار والأغنام والأرانب والخنازير، لم يجد النجاح نفسه على مستوى الأسماك والطيور والقردة العليا، وخصوصاً على مستوى الإنسان. وتكفي الإشارة من أجل إدراك حجم الصعوبة، الى أن نسبة النجاح في استنساخ الحيوانات بوجه عام لا تتجاوز ثلاثة في المئة، وأن إنتاج النعجة "دولي" بعملية استنساخ جرت قبل سنوات، قد مر بـ250 محاولة فاشلة قبل النجاح في المحاولة الأخيرة. وهذا يعني أن استنساخ الإنسان يتطلب أربعة أضعاف هذا العدد من المحاولات، لأن مستوى الخصوبة عنده يقل أربعة أضعاف عن مستواها لدى الأغنام.

أما السبب الثاني فيعود الى السرية شبه المطلقة التي أحيطت بها ولادة الطفلة المستنسخة، حيث لم يعلن عن مكان إقامة "الوالدين". كما جرى التراجع عن تقديم الدليل الحاسم على ولادة الطفلة، وعلى كونها مستنسخة فعلاً، عن طريق فحص الحمض النووي المأخوذ من جسمها ومقارنته بالحمض النووي المأخوذ من الشخص الذي أخذت منه نواة الخلية التي استُنسخت. وقد بُرّر التراجع بالخوف من أن يضطر الخبير المستقل المكلف إجراء الفحص، الى الإدلاء بمعلومات من شأنها أن تعرض الأطفال المستنسخين و"عائلاتهم" الى مضايقات قضائية. كما قد يمكن تفسير السرية ـ فيما لو كان خبر الاستنساخ صحيحاً ـ برغبة القائمين به في "احتكار" الإنجاز لأغراض علمية أو تجارية، حيث لا يمكنهم تسجيله باسمهم بالشكل الذي تحدده قوانين الملكية الفكرية.

 

عقائد سوداء

وقد تساءل أحد المراقبين عما إذا كان استنساخ الطفلة "حواء" قد حصل فعلاً أم أن الأمر لا يعدو تهيئة للأجواء وجس نبض لمعرفة ردود الفعل اذا ما حصل ذلك؟.. ولم يستبعد المراقب ـ اذا كانت القضية مختلقة من أساسها ـ أن يكون الدافع من ورائها هو مجرد الدعاية لشركة "كلونايد" الأميركية ولطائفة "الرائيليين" التي تهتم بتجميع الأتباع والمناصرين حول عقائدها التوراتية، وخصوصاً حول عقيدة نزول من يسمونهم بـ"الإلوهيم" من السماء الى الأرض، إضافة الى سعيها المعلن لـ"تخليد" أشخاص من خلال التبديل المتواصل لأجسامهم عن طريق الاستنساخ.

وفيما لو كان كل ذلك مجرد شكوك، وكان "الرائيليون" صادقين في ما أعلنوا عنه من ولادة الطفلة "حواء" والولادات اللاحقة التي يعمل عليها العديد من فرق البحث في أوروبا وأميركا وكوريا الجنوبية على سبيل المثال، فإن العالم يكون قد دخل فعلاً في مرحلة جديدة من تاريخه، وخصوصاً أن بواسيلييه قد أكدت أن نسبة النجاح في تجاربها على الاستنساخ البشري قد قاربت خمسين في المئة، ما يعتبر تطوراً هائلاً مقارنةً مع نسب النجاح السابقة.

 

تحريم بلا هوادة

وإذا صح ذلك، فإنه سيبقى على المشتغلين بالاستنساخ أن يواجهوا القوانين والتشريعات التي منعت اللجوء الى هذه التقنية في السابق، والتي تصدر حالياً أو ستصدر في المستقبل لوضع المزيد من العراقيل أمام هذا التوجه. فالواقع أن فرنسا ودولاً أوروبية أخرى قد اتخذت قرارات صارمة بمنع الاستنساخ. ومن جهتها أعلنت الولايات المتحدة موقفها الرافض بعد مضي ساعات قليلة على إعلان الخبر، حيث صرح الناطق باسم البيت الأبيض أن الرئيس جورج بوش سيطلب من الكونغرس إقرار قانون يمنع كل أنواع الاستنساخ البشري، سواء كان لأغراض التكاثر والتوالد أو للأغراض العلاجية، وذلك في الجلسة التي سيعقدها خلال شهر كانون الثاني/ يناير الجاري. وبهذا الخصوص صرح الزعيم الجديد للأغلبية الجمهورية في الكونغرس، الجراح السابق بيل فريست، أن "هذه الأعمال تجرح مشاعرنا وتتناقض مع الاحترام الأساسي للحياة البشرية". وكان مشروع قانون يمنع الاستنساخ قد أقر صيف العام 2001 من قبل مجلس النواب الذي كان يسيطر عليه الجمهوريون، غير أن هذا المشروع ظل مجمداً في مجلس الشيوخ الذي كان يسيطر عليه الديمقراطيون حتى تتغير الأكثرية لمصلحة الجمهوريين في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، ما قد يدفع باتجاه إقرار المشروع بشكل نهائي، من دون الالتفات الى اعتراض الديمقراطيين وبعض الجمهوريين ممن يعتبرون أن منع الاستنساخ يعرقل الأبحاث في مجال الخلايا الجنينية.

ولو افترضنا ـ في الوقت الذي لا تزال فيه الأبحاث في مجال الاستنساخ البشري قائمة على قدم وساق في مختبرات عادية من النوع الذي يكثر وجوده وتصعب مراقبته، وفي الوقت الذي قد تتطلب ملاحقته فرقاً للتفتيش قد تزيد بمئات المرات عن فرق التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل ـ أن إجراءات المنع ستظل قابلة للاختراق أو أن الاستنساخ سينتهي الى تحصيل الشرعية، إما عن طريق تحول في نظرة الرأي العام، أو عن طريق تغير الحكومات والأحزاب الحاكمة.. فما الذي يمكن أن يحصل في مثل هذه الحال؟

ولو افترضنا أيضاً أن الاستنساخ سيتمكن من قطع أشواط جديدة تقربه من تحقيق حد معقول من النجاح، فما الذي سيكون على الإنسانية أن تفعله لحماية نفسها من انجرافها "البروموثي" في مجال التوالد، على ما قاله أحد المراقبين المناهضين للاستنساخ؟

 

بشر على الطلب

وبالطبع قد تكون هنالك فوائد للاستنساخ في المجال العلاجي للمصابين بالعقم أو لتخصيب الأعضاء وزرعها، أو لمكافحة المسببات الجينية لبعض الأمراض. وبغضّ النظر عن الاعتراضات التي قد لا ترى في الإعاقة أو المرض شراً يجب التخلص منه، بل جزءاً مكملاً ومفيداً للشرط البشري في تجربته الوجودية المليئة بالأسرار والخفايا والحكم، فإن الاعتراضات الأكثر شيوعاً تركز على كون الاستنساخ تغييراً للفطرة في مجال التوالد من ذكر وأنثى، وفي إطار بيولوجي وأسري غير منفصل عن الاحتياجات العاطفية والاجتماعية للإنسان. يضاف الى ذلك ما تفتحه هذه التقنية من آفاق أمام النزعة التحكمية في "إنتاج" أطفال على الطلب بخصائص يحددها سلفاً أصحاب الطلبيات، كما يحددون مواصفات الخزانة أو الكرسي أو الطاولة.

ناهيكم عن تأجيج حمى الوهم بالقدرة على الخلود من خلال استنساخ الذات، وما يحركه ذلك من رساميل واستثمارات، تشير الى ضخامتها وقائع من نوع أن موقع "كلونايد" على الانترنت يواصل عرض خدماته على الزبائن مقابل 200 ألف دولار.. أو من نوع تلك التجارة المرعبة التي قد تصبح تجارة العصر الكبرى: تجارة البويضات الأنثوية بما تشكل المادة الأولية التي لا يُستغنى عنها في أي عملية من عمليات الاستنساخ.

د. عقيل الشيخ حسين