|
|
جنين - علي سمودي "بقوة الله وعزيمته قررت أن أكون الاستشهادية السادسة لاجعل من جسدي شظايا تتفجر لقتل الصهاينة ...وحتى لا نبقى ندفع الثمن ونحصد زرع الموت وجرائم الاحتلال فتبكي امهاتهم ويتوقف بكاء امهاتنا .. فلا تبكي والدتي استشهادي..". بهذه الكلمات ظهرت الاستشهادية هنادي تيسير جرادات في شريط "كاسيت" وصيتها الذي وزعته "سرايا القدس", وقد استجابت عائلتها لندائها حتى قبل أن تشاهدها وتسمع كلماتها فرفضت استقبال المعزين, وقام والدها متغلبا على مرضه الذي نال من صحته وعانق اهالي جنين وهم يتوافدون الى منزله لمؤازرته وهو يقول : "اليوم عرس هنادي, وذلك يعني الفرح والسعادة، لن اتقبل المعزين سنفتح لها بيت تهاني فهي تستحق كل الاجلال والتقدير" .
بينما جرت العادة ان تندب الامهات ويبكي الاباء ابناءهم فان الوضع كان مغايرا في منزل تيسير جرادات المعتقل السابق الذي لم يمض سوى اشهر ثلاثة على استشهاد نجله البكر فادي, فقد غابت جميع مظاهر الحزن والاسى والحداد وتوجه لرفيقة دربه ومعاناته زوجته رحمة ليقبل رأسها ويبلغها بأن ابنتهم البكر المحامية هنادي اخترقت كل اجراءات الامن الصهيونية ونفذت عملية بطولية وانتقمت لفادي ولكل فلسطيني .
مكافأة كبرى ولدى سؤاله عن مشاعره كأب قال وهو يبتسم معتزاً بهنادي التي امضى حياته في تربيتها ورعايتها حتى كبرت واصبحت تتولى رعايته بعد مرضه "قدمت لي مكافأة كبيرة لانها انتقمت للدماء الفلسطينية البريئة التي تراق يوميا برصاص جنود الاحتلال" . ورحلة معاناة عائلة جرادات مع الاحتلال تعود لسنوات بعيدة كما يقول تيسير الاب الذي تجاوز العقد الخامس عندما جرى اعتقاله مرة تلو الاخرى في أوائل السبعينات خلال مرحله المد الثوري في الوطن فقد نال قدرا كبيرا من التعذيب والاعتقال في السجون المختلفه حتى بعد زواجه, وخلال السنوات الماضية استشهد اثنان من عائلته هما عبد الكريم وانس ابناء شقيقه الاكبر، ولكن تلك المعاناة بلغت ذروتها باغتيال نجله فادي السند والمعيل للاسرة. ويقول" قبل عدة سنوات تدهورت حالتي الصحية واصبحت غير قادر على العمل فقد دهمني مرض تشمع الكبد واصبحت في وضع صعب فتخلى فادي عن دراسته وحمل المسؤولية وخصوصا ان عائلتنا كبيرة ومكونة من 9 أشخاص منهم 7 بنات, فكرس فادي حياته لرعايتنا ولعلاجي، فكان يعمل بائع خضار في حسبة جنين, وكان مثالا للابن المخلص فأصر على ان تواصل شقيقاته الدراسة خاصة هنادي التي كانت متفوقة . قتلوهما أمامها ويروي الاب كيف وقعت جريمة اغتيال فادي وابن عمه صالح جرادات، ففي مساء 12-6-2003 , "وبينما كان فادي وصالح وبناتي يجلسون امام منزلنا الواقع في حارة الدبوس هاجمتهم وحدة صهيونية خاصة ودون سابق انذار اطلق الجنود النار عليهم بشكل عشوائي, ويضيف كان بامكانهم اعتقالهما ولكنهم قتلوهما بدم بارد، وكانت هنادي شاهدة على الجريمة المروعة، فبعدما اعدت القهوة وجلست إلى جانب فادي الاحب لقلبها شاهدته ملقى على الارض مضرجا بدمائه التي بقيت تنزف حتى استشهد" . وقع الجريمة كان اكثر قساوة على هنادي ـ يقول والدها ـ التي تميزت بعلاقة أخوية مميزة مع فادي، وعندما استشهد تأثرت وكانت حزينة جدا وطوال لحظات حياتها لم تنس الصور المؤلمه بل كانت تنهض من نومها في غالبية الايام تصرخ من هول الكابوس الذي رافقها. "ومع ذلك تجاوزت الحالة الصعبة وتحملت المسؤولية الكبرى وحدها فأصبحت مسؤولة عن رعاية الاسرة ومتابعه علاجي وخاصة ان حالتي الصحيه ازدادت سوءاً".
ختمت القرآن 6 مرات خلال ذلك كانت هنادي التي تخرجت محاميةً من جامعه جرش الاهلية في الاردن بدأت تتدرب لممارسة مهنة المحاماة، ويقول والدها كانت تردد دوما انها ستكرس حياتها للدفاع عن شعبنا المظلوم ورعاية اسرتها، وقد أظهرت كفاءة متميزة في عملها جعلتها تحظى بتقدير واحترام جميع زملائها في المهنة. ولكن مرة اخرى اصطدمت بالعقبات الصهيونية بعدما منعتها سلطات الاحتلال من متابعة قضايا المعتقلين الامنيين في سالم والترافع أمام المحكمة العسكرية، ولكن الأبرز في قضايا عملها وحياتها الشخصية كان رفض قوات الاحتلال اعطاءها تصريحا لوالدها للتوجه الى مستشفى "رمبام" في حيفا لمواصلة العلاج . هذه القضية أثّرت كثيرا ـ كما تقول الوالدة رحمه صادق جرادات (50 عاما) ـ على هنادي التي أصبحت أكثر حزناً وألماً، فهي تعيش بين جحيم ومعاناة صور شقيقها الذي استشهد امام عينيها برغم انه لم يكن مطلوبا، وعندما كان يستعد لزواجه، وبين والدها الذي اصبح في حالة صحية خطيرة ومع ذلك ـ تقول والدتها ـ لم تضعف فكانت شخصيتها قوية ومختلفة تحثنا على الصبر والصمود, وقد تميزت بعلاقه مثالية مع شقيقاتها وكل من عرفها, لما كانت تتحلى به من طيب عشرة وجاذبية في حديثها، وتمكنت في فترة وجيزة من ختم القرآن الكريم ست مرات، وكانت تمضي أوقاتها في المنزل في تلاوة وحفظ القرآن والصوم والصلاة فتقوم الليل وتواظب على سماع الدروس والاحاديث الدينية .
استشهادية صائمة أم فادي نفت معرفتها بنيات ابنتها وقالت لم يبرز عليها أي علامات مختلفة حتى في يوم استشهادها، ولكن في الايام الاخيرة كانت تتحدث دوما عن فادي والشهادة وتعبر عن غضبها وحزنها لان صور الجريمة تعيش معها في كل لحظة. وفي صبيحة يوم السبت نهضت كالعادة من نومها وارتدت ملابسها وغادرتنا صائمة حتى دون كلمة وداع فقد كانت حريصة وكتومة ولم نعلم بالعملية وانها المنفذة سوى من وسائل الاعلام، موضحة أن هنادي أمضت أيامها في الشهرين الاخيرين صائمة . وفور انتشار النبأ تدافع أهالي الحي نحو منزل عائلة هنادي وقاموا بإخلاء جميع محتوياته تحسباً للرد الصهيوني الذي لم يتأخر، ويقول والدها :"صبيحة اليوم التالي للعملية دهمت قوات الاحتلال منزلنا وكان الجنود غاضبين ومذعورين وقد ازداد غضبهم عندما وجدوه فارغاً من الاغراض كافة، فهاجموني وسألوني عن هنادي، واعتدوا بالضرب على ناشطات من "حركة التضامن الدولية" كنّ معنا وحاولن حمايتنا وضربوهن بشكل وحشي". وتروي الشقيقه فادية(25 عاما) ان الجنود عندما دخلوا المنزل كانوا مرعوبين وقد غضبوا عندما شاهدوها تتحدث بالهاتف الخلوي وتضيف "هاجموني وصادروا جهاز الخلوي وقاموا بتحطيمه وهم يوجهون لنا الشتائم ثم هدموا المنزل وكانوا في حالة هستيرية وحققوا معنا عن أسباب وكيفية إخلاء المنزل، ما يدل على أنهم أرادوا هدمه على جميع أغراضنا، ولكن نقول لهم هذه الدبابات والممارسات وهدم المنازل لا ترهبنا ولا تخيفنا ونحن فخورين بالبطلة هنادي وايماننا بالله كبير" .
رفضت الزواج هنادي - تقول والدتها - رفضت الزواج عدة مرات، وكانت تقول إنها وهبت حياتها لأجلنا، وقد وفت بوعدها وقدمت حياتها فداءً لشقيقها ولفلسطين، وما عملته صحيح لانه انتقام لشقيقها ولابن عمها وتتحمل مسؤوليته قوات الاحتلال التي تواصل جرائمها بحق شعبنا، ومثلما ينكلون بنا ويقتلوننا فإن الشرفاء المخلصين كهنادي لن يتأخروا عن ايجاد الوسيلة الأمثل للرد عليهم ولقتالهم، وندعو الله أن يتقبل هنادي شهيدة فهي رفعت رأس الامة وشعبنا عاليا . أما بيسان(21 عاما) التي أسماها والدها كذلك لتحمل اسم بلدته بيسان التي اغتصبها الاحتلال في نكبة عام 1948 فقالت وهي تتمسك بالسبحة التي كانت تحملها هنادي دائماً: "الحمد لله الذي كرّمها بهذه المنزلة العالية فقد كانت أختي نموذجاً للفلسطينية المؤمنة الصابرة التي أمضت حياتها في العبادة والتقرب لله وقراءه القرآن. " وبرغم هدم منزلهم وتشردهم يقول الوالد جرادات "معنوياتنا عالية وشعبنا تحدى حظر التجوال، وبرغم تهديدات الاحتلال تسابق الجميع لمؤازرتنا حتى ان الجميع فتح بيته لنا, ليس مهماً البيت والمال، المهم الكرامة والحرية والاستقلال التي لن تتحقق بالتفاوض او باستجداء الاحتلال، بل بالمقاومة التي رسمت أحد عناوينها هنادي التي أهدي عمليتها بكل فخر واعتزاز لله والوطن ولشعبي ولاطفال فلسطين ومستقبلهم الذي لن ينعموا فيه بالحرية الا بالتضحيات التي لن تتوقف ما دام شبر من أرضنا محتلاً". وصيتها "بقوة الله وعزيمته قررت أن أكون الاستشهادية السادسة التي تجعل من جسدها شظايا تتفجر لتقتل الصهاينة وتدمر كل مستوطن وصهيوني. ولاننا لسنا وحدنا من يجب أن نبقى ندفع الثمن ونحصد ثمن جرائمهم, وحتى لا تبقى امهاتنا تدفع ثمن الاجرام الصهيوني, وحتى لا تبقى امهاتنا تبكي وتصرخ على اطفالها وابنائها بل يجب أن نجعل امهاتهم يبكين، فقد قررت بعد الاتكال على الله ان اجعل الموت الذي يحيطوننا به يحيط بهم، وان اجعل امهاتهم تبكي دمعا وندما، ودعوتي لله ان يجعلنا نحن معمرين في الجنة ويجعلهم من الخالدين في النار". |