|
|
|
في عام 145هـ (762م) قرر الخليفة العباسي الثاني أبو جعفر المنصور بناء عاصمة له على الجانب الغربي من دجلة. كان قراره ذلك نابعاً من رغبته في إحداث تغييرات مهمة في المجتمع والدولة. ومن أجل ذلك أشرك في بنائها الآلاف من أبناء الشعوب الأخرى. هذا الصنيع ربما كان مقدمة لأكبر عملية تمازج فكري وثقافي شهدها العالم القديم، وأدى الى ظهور إحدى أهم الحضارات الإنسانية على الإطلاق.
الموقع والشكل كانت هذه المدينة هي بغداد أو دار السلام كما سُميت أول مرة. وقد بُنيت بشكل دائري وأحيطت بالأسوار.. إلا أنها سرعان ما غيرت شكلها وضاقت بأسوارها، فتمددت يميناً وشمالاً، وانتقلت الى الضفة الأخرى من النهر المعروفة بالرصافة. لكن هذا لا يعني بحالٍ أن بغداد لم تكن مأهولة بالسكان من قبل، فهناك ما يدل على قيام مدن ضاربة في القدم تقع ضمن حدودها الإدارية حالياً، مثل "تل حرمل"، وموقعها الآن في منطقة بغداد الجديدة (9 كيلومترات شرقاً)، وتعود الى منتصف العهد البابلي القديم حوالى 1850 ق.م. وفي مكان ما من الكرادة الشرقية كانت تقوم مدينة "كلواذا" التي تعود الى العصر ما قبل المسيحي. وفي مكان لصيق ببغداد المدورة يقع جامع براثا الشهير، الذي وقف عنده الإمام علي (ع) في إحدى غزواته. وهو مزار معروف يقصده الناس في أيام معينة من الأسبوع. وفي جانب الرصافة يوجد مقام ينسب الى قنبر مولى الإمام علي (ع)، ويعرف بقنبر علي، ويقع الآن في قلب المدينة. وتسمية بغداد سابقة على بناء أبي جعفر المنصور لها، ولكن الأصل الذي جاءت منه غير معروف على وجه القطع، وربما كان آرامياً. وقد لحقتها شهرة واسعة في العصور العباسية المتلاحقة، ولم تزل عاصمة للدولة باستثناء حقبة قصيرة انتقلت فيها الى "سرّ من رأى" ـ سامراء الحالية ـ أما الغربيون فقد تعرفوا اليها عبر حكايات ألف ليلة وليلة التي دُوّنت في العصر المملوكي. وعند سقوط الدولة العباسية عام 656هـ (1258م) على يد المغول فقدت أهميتها السياسية، وتحولت الى مدينة ثانوية، وبقيت على تلك الحال حتى عادت عام 1921 عاصمة للحكم الوطني في العراق.
نهر دجلة ومع أن مدينة بغداد القديمة قد بُنيت على ضفة نهر دجلة الغربية "الكرخ"، إلا أنها كانت تستقي من نهر الفرات. وسبب ذلك جريان الفرات في أرض ترتفع عن مستوى الأرض التي يمر فيها دجلة. وقد شقت جداول عديدة من الفرات لهذا الغرض، ما زال بعضها قائماً حتى هذه اللحظة، مثل نهر "المسعودي". غير أن الوضع تغير بمرور الزمن، وأصبح نهر دجلة أكثر أهمية من ذي قبل، لا سيما بعد انتشار مضخات رفع المياه. أراضي بغداد قليلة الملوحة، وافرة العطاء، وقد زُرعت فيها بساتين واسعة للنخيل والفاكهة، وإن كان التوسع العمراني قد أتى على قسم كبير منها. ويبدو دجلة اليوم مخترقاً بغداد من منتصفها تقريباً. وهو يُعبر بواسطة اثني عشر جسراً من الشمال الى الجنوب.
بغداد الحالية تبلغ مساحة بغداد الحالية حوالى 2500 كليومتر مربع. يقطنها ما لا يقل عن خمسة ملايين نسمة، فهي إذاً مدينة كبرى. وسبب امتدادها على هذا النحو هو نمط البناء الأفقي السائد فيها، والمكون عادة من طابق واحد أو طابقين. تنقسم المدينة الى عدد من الأقضية والنواحي والأحياء المكتظة بالسكان. ففي الجانب الشرقي تقع ثلاثة أقضية هي: الرصافة، الأعظمية والثورة "مدينة صدام". أما في الجانب الغربي فيقع قضاءا الكرخ والكاظمية. وتوجد أقضية أخرى ملحقة بالمدينة، وإن كانت تقع خارجها، مثل المحمودية في الجنوب الغربي والمدائن "سلمان باك" في الجنوب الشرقي. ويقع في الأخيرة مقام الصحابي الجليل سلمان الفارسي الذي كان أول حاكم مسلمٍ للعراق. وقد وضعت قيود صارمة على السكن في المدينة والهجرة إليها اصطبغت برؤية سياسية، إلا أن المركزية الشديدة التي انتهجتها الدولة أدت الى العكس تماماً. فهي الى جانب كونها مقراً للوزارات والمؤسسات الحكومية التي تهيمن على معظم الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية التابعة للدولة، فإنها أيضاً مقر معظم الصناعات التي يديرها القطاع الأهلي، وهي المركز التجاري الرئيس للبلاد.
التعددية يعيش في بغداد أناس من مختلف الأديان والمذاهب والأعراق. فإلى جانب المسلمين هناك المسيحيون على اختلاف مللهم. وهناك الصائبة المندائيون، وبقايا قليلة من اليهود. وإلى جانب العرب يعيش الأكراد والتركمان والآشوريون. وإضافة الى العراقيين يقطن الفلسطينيون.. إن تنوعاً كهذا أعطى البغداديين ميزة مهمة هي التسامح العرقي والطائفي، وجعلهم يؤمنون بالتعايش مع الغير والقبول بالآخر. وعموماً فإن المستوى الاجتماعي في بغداد هو أعلى منه في بقية المحافظات، الأمر الذي دفع بقطاعات واسعة من السكان للهجرة إليها. ولعل من أشد هذه الهجرات كثافة نزوح الآلاف من أبناء منطقة العمارة (380 كيلومتراً جنوباً) في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي الى العاصمة. فقد ترك قرار الاستيلاء على أملاك الإقطاعيين الزراعية هؤلاء الفلاحين وحدهم في مواجهة أراضٍ بور، ولم يكن بوسعهم سوى الهجرة الى المدن الكبرى، لا سيما بغداد، للعيش مهمشين في ظروف بائسة. هؤلاء المهاجرون أصبحوا بمرور الوقت يشكلون نسبة عالية من سكان بغداد. فمدينة الثورة وحدها تضم أكثر من مليوني نسمة، وهناك آخرون توزعوا في مناطق شعبية أخرى دماء جديدة غير أن بغداد لم تكن في يومٍ من الأيام مدينة متجانسة السكان، وظلت على امتداد القرون تستقبل موجات بشرية مختلفة للتعويض عن النقص السكاني الحاصل لديها. ولم يكن هناك مفر من هذا بسبب انتشار الأوبئة والحروب والفيضانات. وآخر حادثة اجتمعت فيها هذه الكوارث الثلاث، هي حادثة عام 1831. إن حقن المجتمع البغدادي بدماء جديدة جعلت منه مجتمعاً متجدداً، وعملت على تجنيبه ويلات التعصب والانغلاق. وليس ثمة شك في أن مجتمعاً كهذا قادر باستمرار على تجاوز محنه ومشاكله اليومية، وهضم كل العناصر والثقافات والأفكار الوافدة إليه.
ربَّ ضارّة نافعة لقد أصاب بغداد كثير من التغيير في بداية الثمانينيات، فشرعت في رفع ما لحقها من أذى بسبب التخلف والإهمال، وعالجت الاختناقات المرورية، وأصلحت الشوارع وأقامت الجسور، وأنشأت المجمعات السكنية وبنت المستشفيات ونفذت حملات التنظيف، وطورت وسائل المواصلات وشادت القصور.. وكانت الغاية من كل ذلك أن تستعد بغداد لاستقبال مؤتمر قمة عدم الانحياز عام 1982. ولكن ظروف الحرب حالت دون موافقة الرؤساء على عقد المؤتمر في بغداد، واختيرت نيودلهي مكاناً بديلاً. لقد أعجب الوجه الجديد لبغداد الحكومة، فقررت أن تمضي قدماً في مشاريع من هذا النوع. لقد خسرت بغداد المؤتمر، لكنها ربحت التحديث. غير أن عقد التسعينيات حمل منذ عامه الأول بوادر سيئة للغاية. فقد أدى الحصار الشامل المضروب على العراق عقب غزوه الكويت الى توقف تام للمشاريع الخدمية والعمرانية.. وأخذت المدينة تعاني من انقطاع الكهرباء ونقص الخدمات وفوضى البناء، ولم تفلح حفنات مذكرة التفاهم ـ أو برنامج النفط مقابل الغذاء والدواء ـ في معالجة الوضع إلا قليلاً.
بالخبز وحده يحيا الإنسان يستطيع المرء أن يلاحظ آثار هذا الحصار أينما حل في بغداد، ولكن قطاع الثقافة كان الضحية المباشرة له.. فمقولة "بالخبز وحده يحيا الإنسان" قد أثبتت أنها صادقة تماماً في أيام المحن والكروب. فقد توقفت الأنشطة الثقافية، وأصيبت المطابع بالشلل، واختفت الدوريات والمطبوعات، ولم يستطع كثير من رموز الثقافة العراقية الاحتفاظ بمكتباتهم الشهيرة، فباعوها بأبخس الأثمان واستبدلوا بها ما يسد الرمق. تستطيع أن تلاحظ ذلك بوضوح أيام الجمع في شارع المتنبي، فهناك معرض دائم يفترش الأرصفة للكتاب. ولكنه كتاب قديم يحمل في كثير من الأحيان تواقيع أسماء مهمة ولامعة اضطرها الزمن الرديء لأن تتخلى عن خير جليس وأعز صديق، وأن تتنازل عن أغلى ما تملك من نفائس وذخائر كانت تتباهى بها على الدوام.
ثقافة الموت بعد سلسلة الحروب التي لم تتوقف منذ ثلاث وعشرين سنة، ماذا ينتظر بغداد من مصير؟ إنها تقف اليوم بجلد عجيب وقد أنهكها انحسار وشيوع ثقافة الموت، وفي كل يوم يمر تنزف المزيد من الدماء وتتلقى الكثير من الضربات، فتتجرع أوجاعها بصمت، وتجتر آلامها بحرارة. لقد شبعت بغداد من الحزن، ولم تعد تملك القدرة على البكاء، فهل تؤذن أيامها السود بالانصرام؟ وهل يبزغ الفجر طول انتظار؟ بغداد أيتها الثكلى.. أنت وحدك تملكين الجواب. محمد زكي إبراهيم |