|
|
فلسطين المحتلة: عزيزة نوفل وقف أبو أحمد من قرية سنيريا قضاء قلقيلية شمال الضفة الغربية، على ما تبقى من أرضه المهددة بالمصادرة، لتدخل ضمن المناطق العازلة. لا ضمان من قبل الحكومة الصهيونية، لا يدري ماذا يفعل.. لمن يشكو؟ في العام 89 صودر قسم من أرض أبي أحمد، وأخذ على مدى السنوات يشهد تحوّل أرضه الخضراء إلى تجمعات سكانية تؤوي من تستجلبهم الحكومة الصهيونية من روسيا وأثيوبيا، وتحولت أرض "الوادي الغربي" ـ هكذا تسمى ـ إلى مستعمرة أورانيت.. لم يستطع السكوت، وقرر خوض معارك ضارية في المحاكم التي ما زالت حتى اللحظة تنتهج سياسة التأجيل والمماطلة.. يعلم الله متى يُبت فيها. لم تعد المصادرة والبيوت الجاهزة ما يقلق أبا أحمد، إنما ذلك العدوان الجديد المسمى "بالمناطق العازلة"، حيث سيفقد الآلاف ممن هم على شاكلة أبي أحمد أراضيهم. ففي قرية كفر ثلث قضاء قلقيلية لم تجد زوجة "عمر محمد مراعبة" سوى الدموع والصراخ والتكبير ورفع الأيدي الى السماء وهي تشاهد الجرافات الصهيونية تحوّل أرضها إلى خراب. وشاركها في هذا الحزن زوجها الحاج عمر مراعبة الذي أجهش بالبكاء لعدم تحمله منظر أرضه وهي تضيع أمام ناظريه، من دون أن يملك شيئاً يدافع به عنها.. قال: "فقدت القدرة على التكلم". وأدار ظهره يسير في أرضه يودعها قبل أن يرحل عنها. عاد الحاج عمر للبكاء بعد أن شاهد أحد العمال يحمل منشاراً يقص أشجار الزيتون تمهيداً لاقتلاعها من قبل الجرافات الصهيونية، لم يستطع مواصلة الحديث، انهارت قواه وغادر أرضه مع جميع أفراد عائلته.. زوجته رفضت المغادرة وهي تصيح قائلة: "دُمرت بيوتنا، أصبحنا بلا مأوى، والله هذا حرام". وفي آخر كلامه قال الحاج عمر: "ألف شجرة زيتون من الأشجار المعمرة اقتلعت اليوم، وباقتلاعها حرموني من ذكرياتي وأحلامي". خطة قديمة جديدة.. في الوقت الذي تشتد فيه قبضة الاحتلال الصهيوني على المناطق الفلسطينية بالعزل والحصار والإغلاق ومواصلة أعمال القتل والإرهاب والترويع، خرجت الحكومة الصهيونية في حزيران/ يونيو الماضي بسياسة تبدو في ظاهرها جديدة، حيث تعمل هذه الحكومة على ترسيم وعسكرة نظام فصل عنصري كريه ضد أبناء الشعب الفلسطيني المقاوم، بحجة توفير الأمن للمستعمرين ومنعاً للعمليات الاستشهادية. هذا الأمر قد يبدو عاديا أو تطوراً في السياسة الصهيونية، لكن المتتبع للحركة الاستعمارية السرطانية التي تشتد حالياً، يلاحظ أنها امتداد للخطة الشارونية التي عرضها عام 1993 في عهد حكومة الإرهابي شامير، والتي أطلق عليها "خطة النجوم السبعة"، وتهدف إلى بناء حزام استعماري من منطقة اللطرون في شمال القدس المحتلة إلى مدينة باقة الغربية في جنوب الضفة على حدود الأراضي المحتلة في العام 48. وقضت الخطة الأولية باتباع خطين متوازيين: أولهما محاولة فرض التعامل مع ما يسمى بالإدارة المدنية الصهيونية من خلال اشتراط حصول المواطنين على تصاريح خاصة من هذه الإدارة للتنقل بين الأراضي الفلسطينية، وثانيهما الإعلان رسمياً والشروع في إقامة المناطق والجدران العازلة تحت ذريعة "المناطق الآمنة" التي تحول المناطق الفلسطينية منطقياً إلى "بانتوستانات" ومعازل وسجون حقيقية، الأمر الذي يجسد أبشع صور "الأبرتهايد" أو الفصل العنصري، وإعادة الاحتلال للمناطق الفلسطينية كافة إلى صورته المباشرة والأكثر بشاعة ووحشية. لوحظ أن تسمية الكيان الصهيوني لما حدث في نيسان/ أبريل الماضي بـ"عملية السور الواقي" التي كانت المرحلة الأولى منها حملة قتل وتدمير، ما هي إلا عملية إقامة أسوار واقية للمستعمرات من خلال تكريس الاحتلال المباشر بالقوة العسكرية وفرض خارطة تمثل حدوداً وتسوية نهائية للصراع. وقد بدأت هذه الخطة منذ بداية انتفاضة الأقصى في الثامن والعشرين من أيلول/ سبتمبر 2000 عن طريق البدء بوضع الحواجز العسكرية الصهيونية وأعمال بناء الجدران الفاصلة، لتتحول الضفة الغربية إلى أكثر من ثمانية معازل تفصلها الحواجز العسكرية والطرق الالتفافية الخاصة بالجيش والمستعمرين. وتشكل المستعمرات فيها الجسم الأساسي لعملية العزل الجغرافي والديموغرافي عن طريق مصادرة ونهب الأراضي الفلسطينية، وذلك من خلال الإعلان عن بدء العملية في أكبر مشروع استعماري في الضفة الغربية.
أسياج مكهربة.. في إطار خطة بن أليعازر التي أعلنت في حينه، ستُبنى سياجات مكهربة وجدران لفصل الضفة الغربية عن الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 48 بطول90 كم. ويتواصل العمل في إقامة الجدار في مقطع محافظة طولكرم في الغرب والجنوب الغربي وعلى امتداد 2.5 كم، ويقع خط الفصل في أراضي الضفة الغربية بعرض لا يقل عن 2 ـ 3 كم في عملية ترسيم جديدة لحدود حزيران/ يونيو، الأمر الذي يعني ضم آلاف الدونمات إلى الأراضي المحتلة عام 48. وحسب الخطة الأولى للسور، فإنه يحتجز خلفه 11 قرية من المحافظات الثلاث: "سلفيت، قلقيلية وطولكرم"، ويسكنها 110 آلاف نسمة، إضافة إلى عشرات آلاف الدونمات من الأراضي. لكن التعديل الجديد يضيف المزيد من القرى والأراضي والسكان إليه. وفي الشهر الفائت اقترح تعديل مسار السور الفاصل، وجاء قرار وزارة الحرب في حكومة شارون قبل أيام ليحدد الشكل شبه النهائي للمرحلة الأولى والأهم من هذا السور، عندما قررت نقله عشرين كيلومتراً إلى الشرق، ليضم كتلة استعمارية ضخمة مؤلفة من 15 مستعمرة تقع جنوب وغرب نابلس، أبرزها آرئيل وقدوميم وعمنوئيل. وتتجسد عمليات التخريب على نحو صارخ في مدينة قلقيلية ومحافظة سلفيت. ضم 60 مستعمرة جديدة في سنيريا كان الوادي الغربي ـ هكذا اصطلح على تسمية تلك القطعة من الأرض التي تمتد على مساحة تزيد عن 4000 دونم جنوب شرق مدينة قلقيلية شمال الضفة الغربية ـ من أكثر المناطق المتضررة من هذا السياج. فإضافة الى الدونمات التي صودرت في المرحلة الأولى، عادت قوات الاحتلال إلى احتلال المزيد منها وتجريف المزيد من الأراضي المزروعة بأشجار الزيتون. وأشارت صحيفة "هآرتس" الصهيونية قبل أيام إلى أن التعديل الجديد سيضم 60 مستعمرة وسبعة آلاف مواطن فلسطيني خلف السور. وبالفعل، ففي زيارة لمناطق سلفيت وقرى: الزاوية، سنيريا، مسحة، بديا وعزون، لاحظنا الجرافات الصهيونية التي بدأت بعمليات التجريف ومصادرة المزيد من الأراضي. معروف زهران رئيس بلدية قلقيلة يؤكد أنه الى الآن صودر 45% من أراضي المحافظة لحساب المستعمرات والجدار . وبخصوص المساحات الواسعة التي صودرت من أراضي منطقة قلقيلية يقول زهران: "إن هذه الأراضي عبارة عن مساحات زراعية في معظمها، ويمتد المزروع منها على مساحة تزيد عن 2000 دونم، تبدأ من قرية حبلة جنوب شرق المدينة التي صودرت أراضيها لمصلحة توسيع مستعمرة "ألفيه منشيه" المجاورة للبلدة، وتستمر المساحات المصادرة شمالاً لمصلحة الجدار الأمني الذي سيطر حتى الآن على ما يزيد عن 300 كم من أراضي المحافظة بعرض نحو 104م...". وأضاف: "لقد أصدرت الحكومة الصهيونية قراراً يقضي بمصادرة 3000 دونم من الجهة الشمالية للمحافظة، وخلال شهر ستصبح مدينة قلقيلية محاصرة بشكل شبه كامل". ويعتبر زهران أن هذه الحملة ليست مجرد قضية مصادرة أرض فقط، وإنما هي استراتيجية معينة ومخطط لها تتبعها الحكومة الصهيونية، ويتضح ذلك أكثر عندما نعلم أن هناك 18 بئراً ارتوازية في تلك المناطق المصادرة، أي ما يعادل 52% من احتياطي المياه في الحوض الغربي. ومن جهة أخرى صرح زهران أن هناك قرى كاملة ستصبح خاضعة لمزاجية جنود الاحتلال، إذ ان البوابات التي يشرع في وضعها على مداخل تلك المناطق لا تسمح للمواطنين هنا بالتنقل إلا تبعاً لأوامر الجيش الصهيوني". الهدف.. خلق أراضٍ فارغة ويقول الخبراء في شؤون الاستيطان إن الشكل الحالي للمشروع يمثل ما يطلق عليه في "إسرائيل" اسم الإجماع القومي القاضي بضم الكتل الاستيطانية الرئيسية الى الكيان الصهيوني. من ناحيته أكد خليل التفكجي مدير دائرة الخرائط في بيت الشرق في القدس، "أن هذه السياسة تهدف بالأساس إلى خلق أراضٍ فارغة من أهلها داخل الجدار، وغير تابعة لأي جانب، لا الفلسطيني ولا الإسرائيلي، كما يحدث الآن في منطقة رافات بالقرب من رام الله وفي أبو ديس بجانب القدس. وهناك أكثر من 35 عائلة من كل قرية محاذية للجدار ستصبح خلفه، الأمر الذي يخلق مشكلة ديموغرافية من دون أن تقدم الجهات الصهيونية أي توضيح بشأن وضع هؤلاء السكان مستقبلاً. وهذا الإجراء هو محاولة جديدة لقلع الفلسطينيين من أرضهم لحساب المستوطنين اليهود".. قال التفكجي. وتابع: "القرار الأخير بشأن نقل السور عشرين كيلومتراً إلى الشرق يشكل تطبيقاً للخريطة الإسرائيلية التي قدمت إلى مفاوضات كامب ديفد وطابا". أضاف: "وإذا ما أقرت الحكومة ـ كما هو متوقع ـ خطة شارون للسور الشرقي، فإن المشروع سيشكل تطبيقاً كاملاً لرؤية شارون التاريخية الخاصة، لضم أجزاء واسعة من الضفة الى الكيان الإسرائيلي". |